الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

197

نفحات القرآن

وقالوا تارةً أخرى : إنّ هذه الآية تشير إلى الموت في هذه الدنيا للانتقال إلى الآخرة ، أي ان الفريق الأول يعتبر مصداقاً لهذه الآية : « الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِيْنَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » . ( النحل / 32 ) بينما يعتبر المذنبون مصداقاً لهذه الآية : « فَكَيْفَ اذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوْهَهُمْ وَادْبَارَهُمْ » . ( محمد / 27 ) وهناك احتمالات أخرى لا تستحق الذكر في تفسير هذه الآية ، لكن الجمع بين التفسيرين المذكورين سهل ، وإن كانت الآية التالية لها تتناسب مع التفسير الثاني ، لأنّه تعالى قال : « وَخَلَقَ اللَّهُ السَّموَاتِ وَالارْضَ بِالْحَقِّ » . « وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسبَتْ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ » « 1 » . وبما أنّ الحديث عن العدالة الإلهيّة وحقانية خلق السماوات والأرض وعن ثواب وعقاب كل إنسان على قدر عمله من ناحية ، ومن ناحية أخرى - وكما قلنا سابقاً - إنّ هذا الأمر لا يتمّ في الدنيا بصورة شاملة ، إذن يجب أن تكون هناك حياة أخرى بعد الموت لإقامة العدالة وإحقاق الحق . توضيح العدل هو النظام الحاكم على الخلق : إنّ كل من لديه إلمامٌ بسيط بالعلوم الطبيعية بإمكانه أن يلاحظ أنّ جميع الكائنات في هذا العالم تخضع لنظم وقوانين معيّنة ، ودقّة هذه القوانين جعلت علماء الطبيعة يدوّنون فيها الكتب طبقاً لهذه المعادلات الدقيقة ، ففي مجال الرحلات الفضائية مثلا نجد العلماء قد نظموا جميع برامجهم العلمية الدقيقة بالاعتماد على هذه القوانين الطبيعية .

--> ( 1 ) قال الزمخشري في تفسير الكشاف ، ج 4 ، ص 290 » : جملة « ولتجزى » معطوفه على قوله « بالحق » ، لأنّها تحمل معنى التعليل ( بناءً على هذا يكون مفهوم الآية بهذا النحو : خلق اللَّه السماوات والأرض ليحق الحق ولتجزى . . . ) ثم قال ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة محذوفة فيكون التقدير : خلق اللَّه السماوات والأرض بالحق ليدل بها على قدرته وتجزى كل نفسٍ .