الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
195
نفحات القرآن
الأشاعرة ومن منكري الحسن والقبح العقليين فقد أجاب : إنّ إنكار هذه المساواة من باب الفضل والاحسان الإلهي لا من باب أنّ لأحدٍ حقّاً عليه تعالى « 1 » . إنّ ضعف هذا الرأي لا يحتاج إلى دليل فقد أمرهم القرآن بصراحة بأن يُحكِّموا العقل في هذه الموارد ثم خاطبهم بخطاب مقرون باللوم والتوبيخ في قوله : « مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » ؟ أي أنّ هذا الرأي لا يليق بالإنسان العادل ، وهذا دليل واضح على إثبات حاكمية العقل والمنطق في مثل هذه الأمور . وفي الآية الثانية تابع القرآن الكريم هذا المعنى بصراحة أكثر وبصورة أوسع ، قال تعالى : « امْ نَجْعَلُ المُتَّقِيْنَ كَالْفُجَّارِ » . والملاحظة النظرية هنا هو أنّ الآية السابقة لهذه الآية وضّحت الهدف من خلق السماء والأرض وما بينهما في قوله تعالى : « وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا » . ( ص / 27 ) إنّ خلق السماء والأرض بالحق من ناحية وعدم المساواة بين المؤمنين الصالحين والمفسدين الفجّار من ناحية أخرى يقتضي أن تكون هناك قيامة ومحكمة عادلة ، وبهذا اندمج « برهان الحكمة » وبرهان العدالة في هاتين الآيتين . أجل إنّ من ينكر المعاد هو الذي يشك في حكمة اللَّه وعدالته معاً ، لأنّه لا يبقى في هذه الحالة هدف يليق بخلق الدنيا ولا يبقى هناك ما يميز المطيعين من الفاسقين . ومن الجدير بالذكر هو أنّ « المفسدين » في هذه الآية يقابلهم « المؤمنون الصالحون » وإن « الفجار » يقابلهم « المتّقون » وهذه المقابلة إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة وهي أنّالإنسان إذا فقد الإيمان والعمل الصالح فإنّه سوف يكون في زمرة المفسدين شاء ذلك أم أبى ، وإذا ما فقد التقوى أي القوة الرادعة عن ارتكاب الذنوب فسيقع في زمرة الفجار .
--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 30 ، ص 92 .