الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

193

نفحات القرآن

3 - برهان العدالة تمهيد : إنّنا نعلم بأنّ « العدل » أحد صفات الباري تعالى ، تلك العدالة التي يدل عليها كل جزء من أجزاء عالم الوجود كالسماء والأرض ، ووجود الإنسان وضربات قلبه وجريان دمه في عروقه . . . إلخ ، وذلك لأنّه : « بِالعَدْلِ قَامَتِ السَّمواتُ وَاْلَارْضُ » « 1 » . فهل يمكن أن يُستثنى الإنسان من هذا العالم الواسع ؟ ولا تشمله العدالة المهيمنة على هذا العالم ؟ ومن ناحية أخرى : إنّ التأريخ البشري والأحداث المعاصرة أثبتت بوضوح أنّ إحقاق حق المظلومين ومعاقبة الظالمين لا يتمّ بصورة كاملة في هذا العالم وليس بالإمكان حتّى مشاهدة ذلك إلا بنحو « القضية الجزئية » إذن بمقتضى العدالة الحاكمة على هذا العالم والتي تعتبر جزءاً من عدالة اللَّه تعالى يجب أن يكون هناك يوم لمحاسبة أعمال جميع البشر بدّقة متناهية ومن دون أي استثناء ، وذلك اليوم هو الذي نطلق عليه اسم ( القيامة ) . بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن المجيد لنتأمل خاشعين في الآيات الشريفة التالية : 1 - « افَنَجْعَلُ الْمُسْلِميْنَ كَالُمجْرِمِيْنَ * مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » . ( القلم / 35 - 36 ) 2 - « امْ نَجْعَلُ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِديِنَ فِي الارْضِ امْ نَجْعَلُ المُتَّقِيْنَ كَالْفُجَّارِ » . ( ص / 28 ) 3 - « امْ حَسِبَ الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوا السَّيّئَاتِ انْ نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالارْضَ بِاْلحَقِّ وَلِتُجزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ » « 2 » . ( الجاثية / 21 - 22 )

--> ( 1 ) تفسير الصافي ، ذيل الآية 7 من سورة الرحمن . ( 2 ) وقد استدلوا في هذا المجال بآيات أخرى أيضاً مثل : سورة يس ، 59 ؛ الزلزال ، 7 و 8 ؛ الأنبياء ، 47 ، ولكن بما أنّ دلالاتها غامضة فقد أعرضنا عن ذكرها .