الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
153
نفحات القرآن
منها هو القدْح ، لكنَّ ما جاء في تفسيرنا الثالث ينطبقُ تماماً مع التعبير ب « الوقود » ( فتأمّل ) . والسؤال الوحيد الذي لم يُجَبْ عنه إنّ الخشب الذي يستخدم في الحرق يكون جافاً ، بينما عبّر عنه القرآن ب « الشجر الأخضر » . هناك جوابان لهذا السؤال : الأول إنّ الخشب الأخضر قابل للاحتراق أيضاً وإنَّ إحراقه أصعب من إحراق الخشب الجاف ، جاء في المثل المشهور : إذا اشتعلت النار فسوف تحرق الأخضر واليابس معاً للإشارة إلى هذا الأمر . ولو تجاوزنا هذا ، فهنالك مسألة مهمّة هي إنّ الأشجار الخضراء هي الوحيدة التي يمكنها أن تجذب وتدّخِر ضوءَ وحرارة الشمس ، ويحتمل أن يكون القرآن في صدد بيان هذه المسألة العلمية الدقيقة ، لأنّ الأشجار عندما تجفّ تتوقف فيها عملية جذب الكاربون نهائياً ، ولا تدّخر الطاقة الشمسية بأي نحوٍ كان . على أيّة حال فإنّ الآية المذكورة تعتبر من الآيات الرائعة في مجال إثبات المعاد ، وإنّ كلّ واحد من هذه التفسيرات الثلاثة يجسِّم منظر المعاد أمام الانظار ، ولا يوجد أيّ مانع في أن تكون هذه التفسيرات الثلاثة مجموعة في مفهوم هذه الآية ، فهذه التفسيرات منها ما يختصّ بالعوامّ من الناس ، ومنها مايختصّ بالخواصّ منهم ، ومنها مايختصّ بخواصّ الخواصّ ، وبعضها يختصّ بالناس الذين عاشوا في العصور الغابرة ، وبعضها يختصّ بالناس المعاصرين ، ومن المحتمل أن تكون هنالك تفسيرات أعمق وأدقّ لعلماء المستقبل في هذه الآية . والآية الثانية من آيات سورة الواقعة ، والتي يختصّ قسم كبير من آياتها بأدلّة المعاد والقيامة ، على الأخصّ ما جاء في الآية 57 فيما بعد في جوابِ منكري المعاد ( المسائل السبع ) الذين ذُكرتْ ادّعاءاتُهم في نفس هذه السورة في الآية 47 حيث كان كلّ واحد من تلك الأجوبة دليلًا على مسألة المعاد بنفسه « 1 » .
--> ( 1 ) ذكرت هذه الأدلة السبعة في تفسير الأمثل ، ذيل الآية 57 من سورة الواقعة .