الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
151
نفحات القرآن
الشجرتين ، لذا جاء في المثل العربي : « في كُلِّ شجرٍ نار » ! فخلاصة الكلام أنّ أخشابَ الأشجار عندما تصطدم ببعضها بقوّة تخرج منها شرارة من النار ، وهذا الأمر يصدق حتى في أخشاب الأشجار الطريّة ! وبسبب هذه الظاهرة تَحدُثُ حرائقُ هائلة ومرعبة في الغابات من دون أن يكون للإنسان ايُّ تدخّل فيها . وهذه الحرائق تحدث بفعل الرياح الشديدة التي تضرب أغصان الأشجار ببعضها بشدّة فَتَسْقُطُ شراراتُها أحياناً على أوراق الشجر الجافّة فتحرقها ، ثم تتسع بعد ذلك رقعةُ النار بسبب هبوب الرياح ، فنرى فجأةً التهام النار لمناطق شاسعة من الغابات . وأمّا تفسير هذه الظاهرة من وجهة نظر العلم الحديث فهي جليّة وواضحة ، لأننا نعلم بأنّ الأشجار ليست الوحيدة التي تولّد شرارة من النارعند ارتطامها ببعضها بقوّة بل تتولّدُ شرارة كهربائية من ارتطام كل جسمين ببعضهما ، وهذه النار موجودةٌ في جميع ذَرّاتِ العالم المادّي حتى في باطن الأشجار الخضراء . إنّه أمرٌ عجيبٌ حقّاً ، فما القدرة التي تخلط النار في الماء ؟ ومن أصلح فيما بين هذين العدوّين اللّدودين اللّذينِ عرّفهما القدماء بأنّ طبع أحدهما بارد رطب والآخر حارٌ جاف ؟ فهل يكون الإصلاح بين الموت والحياة أمرٌ عسير على هذه القدرة ؟ أو هل يصعب على القدرة أن تجعل أحدهما في مكان الآخر ؟ ! وبتعبير آخر : هل يمكن لأحد أن يجمع النار والماء في مكان واحد بحيث لا يُطفي الماءُ النارَ ولا تُحرقُ النارُ الشجرَ ، وهل يكون إحياء الشجر اليابس مرّة أخرى أمراً عسيراً ؟ ! 3 - وهناك تفسير آخر لهذه الآية قد خفي على المفسّرين السابقين ، لكنّه أصبح واضحاً لنا بعد تطور العلم الحديث ، ومن المحتمل أن يكون أنسب التفاسير ، وهو : إنّ الأشجار خلال فترة حياتها تمتصُّ ضوءَ وحرارة الشمس باستمرار وتَدَّخِرُهُما في باطنها ، وعندما نُحرِق الخشب الجافَّ تنبعث الحرارة والضوءُ اللتان امتصّتهما الشجرة في مدّة طويلة وتنفدُ في مدّة وجيزة ونستفيد نحن منهما ، أي أنّ الطاقة الخاملة تعودُ في هذه القيامةِ وتُظهِرُ وجودها ، فبناءً على ذلك نحن نرى منظر المعاد أمام أعيننا إذا أجّجْنا ناراً !