الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

143

نفحات القرآن

ومن الجدير بالذكر أنّه طبقاً للتحقيقات التي اجراها مؤخراً بعض العلماء هو أنّ هذا الماء القليل الذي يسمى « بالنطفة » مركّب من مياه مختلفة تترشّح من غدد مختلفة في الجسم ، فقسمٌ منه يترشّح من البيضتين اللتين تحتويان على مادّة « الاسبرماتوزوئيد » ، وقسمٌ منه يترشّح من أكياس البَيْض التي توجد بالقرب من غدّة « البروستات » ، القسم الثالث يترشّح من نفس غدّة « البروستات » فيستمدّ شكله الظاهري ورائحته الخاصّة من تلك الغدّة والقسم الرابع يترشّح من غدد « الكوبر » وغدد « الليترة » اللتين تقعان جنب مجاري الادرار . وهذه المياه الخمسة تختلط مع بعضها بنسب دقيقة ومبرمجة وتشكّل مادّة الحياة ، ومكتشف هذه المعلومات عالم فرنسي شُغف بحب القرآن والإسلام وكتب كتاباً في هذا المجال ، ويعتقد هذا العالم بأنّ كلمة « أمشاج » ( أي مختلط ) التي ورد ذكرها في القرآن كان محتواها خفياً على الناس والعلماء . أقتبست هذه العبارات من كتاب ( المقايسة بين التوراة ، والإنجيل والقرآن والعلم ) تأليف الدكتور بوكاري وترجمة المهندس ذبيح اللَّه دبير ( ص 271 ) . وعلى أيّة حال فإنّ اطلاق هذه العبارة على الماء الذّي يتدفّق من الرجل عند ممارسته العملية الجنسية هو من أجل التناسب الواضح الموجود بينها وبين المعنى الرئيسي . و « مَنيّ » : من مادة « مَنْي » ( على وزن مَنْعْ ) وهي بمعنى تعيين العاقبة والتقدير ، لذلك أطلقُوا « المنيّة » على الموت و « الأُمنيّة » على الآمال ، والسبب في اطلاق هذه الكلمة على الماء الذي يخرج من صلب الرجل لأنّه قُدّر له أن يكون إنساناً « 1 » . بناءً على هذا يكون مفهوم جملة : « أَلَمَ يَكُ نُطْفَةً مِنّ مَّنىٍّ يُمْنَى » هو : ألمْ يكن الإنسان في بدايته ماءً مهيناً قُدِّر أن يُخلق الإنسانُ منه « 2 » ؟ إنّ كل مرحلة من المراحل الأربعِ التي بينتها هذه الآية نموذج واشعاع جديد من الحياة الدنيا والحياة بعد الموت ، ومن الممكن أن تكون كل مرحلة دليلًا واضحاً على قدرة الخالق

--> ( 1 ) تاجُ العروس في شرح القاموس . ( 2 ) لكنّ عدداً من المفسرين لم يفسروا « يُمنى » بمعنى التقدير ، بل فسّروها بمعنى تدفّق ذلك الماء في الرحم . على أيّة حال فإنّ « من » هنا بيانية لا تبعيضية .