الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
131
نفحات القرآن
والجدير بالذكر أنّه ذكر النخيل الباسقات من جهة أنّها خُلقتْ ونشأتْ من تلك الأرض الميتة ، وتلك البذور الصغيرة التي نمت وأصبحت بهذه الهيئة العجيبة . ومن ناحية أخرى أشار إلى ثمارها المتراصة التي تحملها في ارتفاع شاهق ، تلك الثمار اللذيذة المغذية « الحيوية » ، تحتوي على أنواع من المواد الضرورية التي يحتاج إليها جسم الإنسان « 1 » . وأخيراً نصل إلى هذه النتيجة وهي : ، إنّ الهدف من هذا أنّ اللَّه سبحانه يهب ( رزقاً للعباد ) ، « وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيِتاً » « 2 » « ك مقدمه لك الخرو عيد مبارك » . إنّ هذه الآية تكشف عن حقيقة وهي أنَّ خروج الإنسان يوم القيامة تابع لتلك القوانين المهيمنة على النباتات والبذور والأشجار بفواكهها المتنوعة ، ذلك الأمر الذي نشاهده كل عام بأعيننا ، ولكن بما أننا اعتدنا على ذلك فإننا نعتبره أمراً عادياً ، وبما أننا لم نشاهد عودة البشر إلى الحياة بأعيننا فإنّ البعض يعتقد بأنّ ذلك امر غير معقول وأحياناً يعتقد بأنّه من المحالات ، مع أنّ النظام المهيمن على الأمرين واحد . وفي الآية الثانية طُرحت نفس المسألة ولكنْ بتعبيرٍ آخر ، قال تعالى : « يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الحَىِّ » . إنّ الفاصلة الزمانية التي ترونها بين الحياة والموت لا تكون امراً يُعتنى به بالنسبة للذات المقدّسة الإلهيّة ، فهو على الدوام يُخرجُ الحىَّ من الميّت وبالعكس ، ( يجب الانتباه إلى أن « يخرج » فعل مضارع وهو يدل على الاستمرارية ، أي أنّ هذا العمل مستمر ودائم ) على هذا فإنّ منظر نهاية هذا العالم الذي هو عبارة عن خروج الموت من باطن الحياة ، وكذلك منظر
--> ( 1 ) « الطلع » هو اسم ثمار النخيل في بدء ظهورها ، و « نضيد » بمعنى متراكم ، ومن الغرائب هو أنّ الأشجار نادراً ما تحتوي على فواكه عنقودية الشكل والأكثر غرابه من ذلك أنّ عناقيد ثمار النخيل ثقيلة . ( 2 ) جاء هنا بالصفة « ميتاً » بصيغة المذكر مع أنّ الموصوف « بلدة » مؤنث والسر في ذلك هو أن « بلدة » هنا جاءت بمعنى المكان .