الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
127
نفحات القرآن
فكيف يعجز عن إحياءِ الموتى الهٌ قادر على الإتيان بخلقٍ كهذا وتطورات كهذه ؟ وهكذا اعتُبرتْ قدرة الحق المطلقة دليلًا على إثبات إمكان إحياء الإنسان ثانياً . ولكن يبقى هناك احتمال أيضاً هو أنّ الآية المذكورة دليل على النشأة الأولى للإنسان ، وقياس عقلي لإثبات الخلق المستأنف على الخلق الأول ، ففي هذه الصورة تكون الآية في عداد الآيات المذكورة سابقاً ، وعلى أيّ تقدير تكون دليلًا على نفس المدّعى . يبقى هناك تساؤل وهو : كيف أمر القرآن الكريم البشر بالسير في الأرض لاكتشاف أسرار ظهور الحياة عليها ، مع أنّ بداية ظهور الحياة على هذه المعمورة تعود إلى مليارات خلت من السنين ولا يمكن مشاهدتها في هذا اليوم ؟ والجواب عن هذا التساؤل يتضح بصورة جليّةٍ من خلال التفسير الذي ذكرناه لهذه الآية آنفاً ، فقد ذكرنا فيما سبق ثلاثة أجوبة عن هذا التساؤل « فتأمل » . والجدير بالذكر التعبير عن المعاد هنا ب « النشأة الآخرة » و « نشأة » كما قال الراغب : هي بمعنى إيجاد وتربية الشئ ، وهذا يدلّ على أنّفي يوم القيامة يوجد خلق جديد وتربية جديدة أيضاً . ثمرة البحث : هذا القسم من الآيات بمثابة تذكُّر لمنكري المعاد ، لعلهم يعون قدرة اللَّه المطلقة ، فتقول لهم : فإن لم تؤمنوا فألقوا بنظرة فاحصة على عالم خلق السماوات والنجوم الثابتة والكواكب السيارة والمجرات والمنظومات السماوية ، ثم انظروا إلى الأرض ولما تحتويه من عجائب وأسرار وإلى النظام المهيمن عليهما جميعاً . فهل في ذلك شك بعد مشاهدة كل هذه الدلائل ؟ وهل يمكنكم أن تنكروا قدرة اللَّه المطلقة ؟ ! فإن آمنتم بقدرته المطلقة فكيف تشكّون في مسألة المعاد وإحياء الموتى وتعتبرون ذلك من الأمور العجيبة التي لا يمكن التصديق بها ؟ !