الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

124

نفحات القرآن

الصورة السابقة ، فمن أجل هذا عبّر القرآن ب « مثل » ، ولكن روح الإنسان هي تلك الروح ، فبعد أن تتعلّقَ بالبدن تحافظ على وحدة شخصيتها السابقة واللاحقة ، بناءً على هذا فإنّ الناس بعد إعادتهم يكونون عينهم من ناحية ، ومثلهم من ناحية أخرى ( فتأمّل ) . ثم يجيب في ذيل الآية عن سؤال آخر للمنكرين ، فأولئكَ كانوا يقولون : إذا كانت القيامة حق فَلِمَ لا تقع ، قال تعالى في جوابهم : « وَجَعَلَ لَهُمْ اجَلًا لَّارَيْبَ فِيهِ » . وبتعبير آخر إنّه تعالى مع الحفاظ على كامل قدرته عيّن وقت قيام القيامة بالدقّة حيث ستقع في ذلك الزمان المعيّن من دون أيّ تأخير . « فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلّاكُفُوراً » لأنّ هوى النفس والتعصب والعداء للحق أرخى على أفكارهم حُجبه وسدوله . وفي الآية الثالثة ورد نفس هذا المعنى بتعبير آخر ، قال تعالى : « اوَلَمْ يَرَوا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى انْ يُحْيِىَ الْمَوتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ » . عبارةُ « اوَلَمْ يروا » المراد منها المشاهدة بعين البصيرة والعقل ، لذلك فسَّرها المفسرون بمعنى أولم يعلموا ، والبعض الآخر فسّرها بمعنى العلم والاطلاع المصحوبِ بالدقّة والتمعّن . و « يَعْيَ » : من مادة « عَيّ » بمعنى العجز وعدم القدرة على المشي عند الإنسان ، واستعملت أيضاً للدلالة على شمول العجز وعدم القدرة على إنجاز عملٍ ما ، أو العجز عن بيان أمرٍ ما عن طريق التحدّث للآخرين ، و « داءٌ عيّاء » المرض الذي لاعلاج له سُمّي بذلك لأنّه متعب ومسبب للعجز . وفسّر بعضهم « العي » ب « الجهل » ولكن هذا المعنى لا يناسب هذه الآية . ومن البديهي أن يُتَصَوّرَ العجزُ وعدم القدرة في الأشخاص الذين تكون قدرتهم محدودة ، ولكن هذا غير مُتَصَوَّرٍ بالنسبة للَّه‌تعالى الذي لا حدَّ لقدرته ، فالعجز والتعب لا معنى لهما في هذا المورد .