الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
12
نفحات القرآن
وفي الآية الرابعة طرحت هذه المسألة بشكل جديد فهي تنقل قول الكافرين أولًا « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَاتَأْتِينَا السَّاعَةُ » . ثم يأمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : « قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ » . من الممكن أن يكون ذكر « عالم الغيب » هو للالتفات إلى السبب الذي أدّى إلى إنكار المعاد من قِبَل الكافرين وذلك لأنّهم كانوا يقولون : مَن يقدِر على جمع الرفات المتناثرة في أكناف الأرض على شكل ذرات ؟ ومن يقدر على إحصاء أعمال الإنسان التي بادت وانمحت ولم يبق منها أي أثر ليثاب ويعاقب عليها ؟ يجيب القرآن هنا بجملة وجيزة ، ويقول : اللَّه الذي يعلم الغيب ويعرف خفايا الإنسان يتكفّل بذلك . ولكن لماذا اطلق اسم « الساعة » على القيامة في أحد أسمائها ؟ لأنّ « الساعة » بتصريح أصحاب اللغة وضعت في الأصل للجزء الصغير من أجزاء الزمن أو بتعبيرٍ آخر هي اللحظة السريعة الانقضاء ، وبما أنّ حساب العباد في يوم القيامة أو أصل قيام القيامة يتمّ بسرعة اطلق هذا الاسم على يوم القيامة « 1 » . ومن الجدير بالذكر أيضاً هو أنّ كلمة « ساعة » كما جاء في لسان العرب تطلق على لحظة انتهاء العالم المفاجئة وعلى قيام يوم القيامة معاً ؛ لأنّ قيام يوم القيامة يكون مفاجئاً أيضاً . وقسّم البعض « الساعة » إلى ثلاثة أنواع : « الساعة الكبرى » و « الساعة الوسطى » و « الساعة الصغرى » . فالساعة الكبرى هي يوم الحشر ، والساعة الوسطى هي الموت المفاجىء لقومٍ في أحد الأزمنة ( مثل قوم نوح الذين غرقوا في وقت الفيضان ) والساعة الصغرى هي ساعة الموت لكل إنسان « 2 » .
--> ( 1 ) فعل « ساعَ » أتى بمعنى زوال ، والزوال يحمل في طياته مفهوم سرعة الانقضاء ، قال في المنار : ساعة في الأصل بمعنى الزمان القصير الذي يُعَّين بواسطته مقدار عملٍ معيّن حدث في خلال ذلك الوقت . ( تفسير المنار ، ج 7 ، ص 359 ) . ( 2 ) تاج العروس في شرح القاموس ومفردات الراغب .