الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

109

نفحات القرآن

السؤال الآخر الذي طرح في مورد هذه الآية إنّ كل « أول » يجب أن يكون له « ثانٍ » فعلى هذا كيف يمكن أن لا يتلو « الموت الأول » « موت ثانٍ » ؟ والجواب على هذا السؤال واضح ، وهو أنّه ليس من الضروري أن يكون لكل أولٍ ثانٍ ، فمثلًا لو نذر الإنسان على نفسه أن يسمّي أوّل ابنٍ يهبه اللَّه له « محمداً » ، فمن الممكن أن لا يهب اللَّه له إلّاذلك الابن ، أو أن ينذر للَّه‌على نفسه أن يهدي أوّل كتاب يؤلفه إلى أبيه ، ومن الممكن أن لا يؤلّف كتاباً غيره ، ونحن نعلم أيضاً أنَّ أحد أسماء اللَّه تعالى هو الأول مع أنّه لا يوجد هناك إلهٌ ثان . نتيجة البحث : تعرفنا من خلال الآيات السبع المذكورة والآيات الأخرى المقاربة لها على منطق منكري المعاد وبالأخص أولئك الذين عاصروا نزول القرآن ، ويمكن تلخيص أقوالهم في مجال إنكار المعاد الجسماني غالباً في عدّة جمل ادّعائية : كيف يمكن للعظام الرميم أن تلبس ثوب الحياة من جديد ؟ كيف يمكن لِلَحْمِنا وعظامنا التي تحولت إلى تراب وتفرقت عناصرها في كل صوب وتحللت واختلطت بالأرض وتلاشت أن تجمع ثانية وتدبَّ فيها الحياة من جديد ؟ أليس هذا افتراء على اللَّه أو من علائم الجنون ؟ ! لا يوجد هناك غير هذه الحياة الدنيا وهذا الموت ، فهل قام أحد من مرقده كي نصدق هذا الادّعاء ؟ إنّ هذا الادعاء لا أساس له وهو أمرٌ عجيب وغير ممكن فلا يمكن تصديقه ! إنّ هؤلاء المنكرين الغرورين الذين لم يتأملوا حتى في خلقهم الأول ، ولم يعوا نماذج الحياة بعد الموت التي يشاهدونها باستمرار في حياتهم ، وهؤلاء الذين يعتمدون على الادّعاءات الواهية ، لا شيء إلّامن أجل العناد والحميّة لا يختصون بذلك الزمان فحسب ولا بأيّ زمانٍ معيّن ، فنحن في هذه الأيّام أيضاً نسمع مثل هذه الأقاويل على لسان أفراد آخرين من الذين حشروا أنفسهم بين الفلاسفة والعلماء .