الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
107
نفحات القرآن
وفي الآية الخامسة يَردُ تعبير آخر عن ذلك الإنكار والاستبعاد ، قال تعالى : « فَقَالَ الْكَافِرُونَ هذَا شَىءٌ عَجِيبٌ * ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ » « 1 » . فهم في مبتدأ مقولتهم يعتبرون ذلك أمراً « عجيباً » ، وفي ذيل مقولتهم يعتبرونه « بعيداً » ولكنهم لم يفكّروا بخلقهم وإن هذا الأمر « العجيب والبعيد » قد تحقق بوضوح في خلقهم الأول ، بل كما سوف يأتي لاحقاً بأنّ مسألة المعاد وتجدد الحياة من الأمور التي شاهدناها ونشاهدها دائماً في هذه الدنيا ، فكيف يكون هذا الأمر عجيباً وبعيداً ؟ وفي الآية السادسة نرى المخالفين يكررون هذا اللون من الانكار ولكن بأُسلوبٍ آخر ، فكانوا يقولون لقرنائهم وأقربائهم مشكّكين متخذين أسلوب الإشاعة والإثارة : « أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتٌّم وَكُنْتُمْ تُرَاباً وعِظَاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ » . ثم إنّ هؤلاء الحمقى لايخالون أنّ هناك حاجة للاستدلال فيقولون بِتَعَسُّفٍ : « إِنْ هِىَ إِلّا حَيَاتُنَا الدٌّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِيَن » . وهذا من أشد تعبيرات المنكرين المعاندين في مجال إنكار المعاد ، وذلك من دون أن يفكروا في فلسفة خلق الإنسان وأنّه هل من الممكن أن تكون هذه الحياة القصيرة المليئة بالمصائب والمشاكل الهدف والغرض الرئيسي من خلق الإنسان ؟ ومن دون أن يفكّروا بفلسفة الأوامر الإلهيّة وأنّه هل من الممكن أن يعامل اللَّه العادل ، الصالحين والطالحين على حدٍ سواء ؟ وأن لا يفرّق بينهم لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ومن دون أن يفكّروا بنشأتهم الأولى حين كانوا في البداية تراباً وعناصر متفرّقة . قد يكون تقدم كلمة التراب على العظام في الآية الكريمة - مع أنّ بدن الإنسان يتحول إلى عظام رميمة أولًا ثم يكون تراباً - وذلك للإشارة بالتراب إلى اللحم الذي يصبح تراباً
--> ( 1 ) بعض المفسرين لا يرون فرقاً بين « رَجْع » و « رجوع » ( مثل صاحب الميزان ) بينما يعتقد البعض الآخر بأنّ « رَجْع » استعمل متعدياً و « رجوع » لازم ( تفسير روح البيان ، ج 9 ، ص 103 ) وجاء في تفسير فخر الرازي أيضاً الفرق بين هذين التعبيرين ، ولكن الآية تحتمل كلا المعنيين ( تفسير الكبير ، ج 28 ، ص 152 ) .