الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
65
نفحات القرآن
فقالوا : إنّ علم اللَّه بهذه الأمور ذاتي ، وأنّ أولياء اللَّه لا يملكون لأنفسهم شيئاً ، فعلمهم إنّما هو بتعليم اللَّه ( أي أنّ علمهم عرضي ) . لكن هذا الجواب لا يتناسب مع الكثير من الروايات المنقولة من طرق الشيعة والسنة في هذا المجال ، بل وحتى لا يتطابق مع ظاهر الآية في ثلاثة موارد : أحدها انحصار علم الساعة به سبحانه ، وكذلك ما تدري نفس ماذا تكسبُ غداً ، وما تدري نفس بأي أرض تموت . وكل شيء في كتاب مبين : أشارت الآية الحاديةُ عشرة إلى علم اللَّه بسرّ الإنسان وعلانيته ، وغيب السماوات والأرض ، قال تعالى : « وَانَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غائِبَةٍ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الَّا فِى كِتَابٍ مُّبيْنٍ » . وتعبيره سبحانه « ربك » إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة : فهل يمكن أن يكون المربي ومالك التدبير والتصرف لكل المخلوقات أن لا يحيط علماً بالحالات الباطنية والظاهرية لمن يربيه ومن هو تحت تصرفه ؟ وهذه الربوبية هي بذاتها الدليل على علم اللَّه سبحانه وتعالى . « تكن » من مادة « كن » على وزن « جن » . بمعنى الستارة وكل ما يمكنه أن يحجب الأشياء ، وقد وردت الصدور هنا كغطاء ساتر على الأسرار الباطنية ، وكما أشرنا سابقاً فإنّ كلمتي الصدر والقلب قد وردتا في الكثير من التعبيرات القرآنية بمعنى الروح والعقل . وكلمة « غائبة » إذا كانت ذات معنى وصفيّ فهي كناية عن الأمور المحجوبة والخفية جدّاً . ( لأنّ التاء المربوطة تأتي في مثل هذه الحالات للمبالغة كما في ( علامة ) « 1 » .
--> ( 1 ) اعتقد بعض المفسرين كالزمخشري في كشافه بأنّ لهذه الكلمة معنى اسمياً لا وصفياً مثل ( عاقبة ) ، و ( ذبيحة ) ، ولو أنّه احتمل المعنى الوصفي أيضاً ( تفسير الكشاف ، ج 3 ، ص 382 ) ، وذكر البعض الآخر كلا الاحتمالين للآية المذكورة .