الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
57
نفحات القرآن
والجدير بالذكر هو أنّ المخاطب في الجملتين الأوليتين هو الرسول صلى الله عليه وآله ، حيث أشارت إلى الشأن ، ( أي الحالات والأعمال المهمّة ) ، وتلاوة القرآن الكريم ، أمّا المخاطب في الجملة الثالثة التي تحدثت عن مطلق الأعمال ، فهم الناس بأجمعهم . وعلى أيّة حال ، بما أنّ المخاطب في بداية الآية هو الرسول صلى الله عليه وآله وفي الذيل هم جميع الناس ، فانّها تدل على العموم والشمول . وعلاوة على ذلك فهي تشمل حالات الإنسان وأقواله وأعماله ( الاستناد إلى تعابير الشأن والتلاوة والعمل ) . و « الشهود » : جمع « شاهد » ، وهو بمعنى الحاضر والناظر والمراقب ( واستعمال صيغة الجمع بخصوص الباري - كما وضّحنا هذه المسألة كراراً - إنّما هو كناية عن عظمته وعلو مقامه سبحانه وتعالى ) ، ولهذا التعبير مفهوم أوسع من مفهوم العلم ، وهو في الواقع يشير إلى حقيقة كون علم اللَّه علماً حضورياً ، وسنشرح ذلك في قسم التوضيحات . « تفيضون » : من « الإفاضة » وهي في الأصل بمعنى امتلاء الإناء بالماء بحيث ينساب من حافته ، وهذه الكلمة تستعمل بمعنى الشروع بالأعمال باقتدار أو بصورة جماعة ، وقد وردت في هذه الآية بهذا المعنى أيضاً . ثم أضاف سبحانه قائلا : « وَمَا يَعزُبُ عَنْ رَّبِّكَ مِنْ مِّثقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ » . « يعزب » : من « العزوب » - على وزن « غروب » - وهو بمعنى البعد والانزواء والغيبة ، وقال بعض اللغويين والمفسّرين : بأنّه بمعنى الابتعاد عن العائلة وفراق الأهل لتحصيل مرتع للمواشي ، ويُطلق « عزبْ » و « عازب » على كل من يبقى بعيداً عن أهله ، أو كل من لم