الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
55
نفحات القرآن
الغيث لتنبت ، فعدتها جميعا ضمن دائرة علم اللَّه المطلق . لو أمعنا النظر في مفاهيم هذه الآيات وتصورنا آلاف الملايين من الكائنات الحية الموجودة في البر والبحر بأنواعها العجيبة المذهلة . ولو تصورنا مجموع أشجار الكرة الأرضية مع جميع أوراقها وعدد ما يسقط منها في كل يومٍ وكل ساعة وكل لحظة ، والمكان الذي تسقط فيه ، وكذلك لو تصورنا مجموع حبوب النباتات التي تنتقل على سطح الأرض - بواسطة البشر ، والرياح وأنواع الحشرات والسيول وما شاكل ذلك - وتنتظر دورها في ظلمات الأرض للإنبات والنمو ، وعلمنا بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد أحاط علماً بجميع هذه الأمور وبجميع مشخّصاتها وجزئياتها ، لأدركنا سهولة إحاطته تعالى بأعمالنا . لقد فسّرت روايات عديدة ، منقولة عن أهل البيت عليهم السلام ، « ظلمات الأرض » بالرحم و « الحبة » بمعنى الولد ، و « الورقة » بمعنى الأجنة الساقطة ، و « الرطب » بمعنى النطف التي تعيش و « اليابس » بمعنى النطف التي تموت وتجف . وأشار بعض مفسّري أهل السنة كالآلوسي في كتابه ( روح المعاني ) إلى هذا الحديث بتعجب ، واعتبره على خلاف ظاهر الآية . صحيح أنّه وبالنظرة الأولى يبدو من ظاهر الآية أنّها تُشير إلى حبّات النباتات ، لكن الحديث أعلاه أشار إلى مفاهيم تستنبط من هذه الآية بالدلالة الالتزامية ، لأنّه لا يوجد تفاوت جذري بين النطفة والحبّة ، وهكذا بين باطن الأرض وظلمات الرحم ، والعالم بالأولى هو عالم بالثانية بسهولة لأنّهما متشابهتان مع بعضهما « 1 » . وعلاوة على ذلك فإنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام كانوا يعلمون باطن القرآن كظاهره ، وهذا التفسير يحتمل أن يكون جزءاً من الباطن . وقد فسّر المفسرون الرطب واليابس بمعان كثيرة ، منها أنّهم قالوا : بأنّ الرطب بمعنى الكائن الحي : واليابس بمعنى الميت ، أو الرطب بمعنى المؤمن ، واليابس بمعنى الكافر ، أو الرطب بمعنى الكائن الحي ، واليابس بمعنى الجماد ، أو الرطب بمعنى العالم ، واليابس بمعنى الجاهل « 2 » .
--> ( 1 ) ورد في تفسير البرهان خمسة أحاديث في هذا المجال منقولة عن الإمام الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام . ( 2 ) تفسير روح البيان ، ج 3 ، ص 44 ؛ وتفسير روح المعاني ، ج 7 ، ص 149 .