الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

نفحات القرآن

الجهل عنه ، وعندما نقول بأنّه قادر فإننان نفهم منه نزاهته عن العجز ، أمّا ماهيّة علم اللَّه وقدرته فإننا لا نفهم عنها شيئاً على الاطلاق ، وهذه العقيدة تُدعى بعقيدة التعطيل ( أي تعطيل معرفة الصفات ) . ومن جهةٍ أخرى فقد غار آخرون في دوّامة التشبيه لدرجة بحيث لم يكتفوا فقط بوصف اللَّه تعالى بصفات الماهيّات الممكنة فقط ، بل جسّموه وذكروا له يداً ورجلًا ووجهاً وما شاكل ذلك ، فقد أوجدوا في مخيّلتهم إلهاً كالإنسان بالضبط بجميع صفاته الظاهريّة والباطنية ، إلهاً يمكن رؤيته ومشاهدته ، وله مكان محدود وتعترضه حالات مختلفة ! وبهذا فقد تورّطوا بأتعس أنواع الشرك . ومن أجلِ أن نعلم إلى أيَّة درجةٍ سقطت هذه الجماعة في هاوية الكفر والشرك ، يكفي أن نسمع المقالة المعروفة للمحقق الدوّاني بخصوص المشبّهة ، حيث قال : « اعتقد جماعة منهم بأنّ للَّه‌جسماً حقّاً ، وهؤلاء بذاتهم ينقسمون إلى عدّة فئات ، فئة تقول : إنّ جسمه مركّبٌ من لحمٍ ودم ، وقالت فئة : بأنّه - تعالى - نور لامع كسبيكة الفضة البيضاء ! وطول قامته سبعة أشبار من أشباره ! . وقالت جماعة أخرى : بأنّه يشبه الإنسان ، وهم ينقسمون إلى عدّة فئات ، فئة اعتقدت بأنّه فتىً في ريعان شبابه لم ينبت الشعر في وجهه بعد ، وشعر رأسه مجعّدٌ قصير : والفئة الأخرى اعتقدت بأنّه رجلٌ كهلٌ ذو لحية بيضاء سوداء وغيرها من قبيل هذه الخرافات » « 1 » . وممّا يُفهم من الآيات القرآنية ، فإنّ كلا المعتقدين - التعطيل والتشبيه - باطلان ، لأنّ القرآن دعا الناس إلى معرفة اللَّه من جهة ، وعرّف ذاته وصفاته المقدّسة في العديد من الآيات الشريفة ممّا يدلّ على إمكانية معرفة اللَّه الإجمالية وبطلان معُتقد التعطيل . ومن جهةٍ أخرى فقد نزّه القرآن الذات المقدّسة من أي شبيه ومثل ونظير وكُفء ، ممّا يدلّ على بطلان مُعتقد التشبيه . وعليه فالحق هو ذلك الطريق الدقيق الواقع بين هذين الاثنين . والذي يقول : بأنّ معرفة

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 289 .