الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

96

نفحات القرآن

د ) فشل الدعاية ضدّ الدّين نحن نعلم بأنّ دعايات شديدة لا مثيل لها من حيث السعة شُنّت ضدّ الدين في القرون الأخيرة وخاصّة في الغرب بالاستفادة من الأساليب والوسائل المختلفة . وكانت بداياتها في مرحلة النهضة العلمية في أوربا ( رنسانس ) وفيها تحرّرت المحافل العلمية والسياسية من ضغوط الكنيسة وطغى التيار المعارض للدين ( كان الدين المسيحي هو السائد وقتئذٍ في أوربا ) إلى درجة تُطرح فيها الأفكار الملحدة في كلّ مكان واستغلَّوا مكانة الفلاسفة وعلماء العلوم الطبيعية بشكل خاصّ لرفض الأسس الدينية كلّها حتّى فقدت الكنيسة مكانتها المرموقة ، وانعزل رجال الدين في أوربا وأصبح الإيمان بوجود اللَّه والمعجزات والمعاد والكتب السماوية في عداد الخرافات . وغدا من المسلّمات لدى كثير منهم أنَّ البشرية مرّت بمراحل أربع هي : ( مرحلة الأساطير ، مرحلة الدين ، مرحلة الفلسفة ، ومرحلة العلم ) وحسب هذا التقسيم يكون الدين قد انقرض في مرحلة سابقة ! والعجيب أنّ كتب علم الاجتماع الحديثة التي تمثّل الصورة المتكاملة لعلم الاجتماع السائد آنذاك تفترض هذه القضيّة من المسلّمات ، وهي أنّ الدين يمثل عاملًا طبيعيّاً يتردّد بين الجهل والخوف والمتطلّبات الاجتماعية والأمور الاقتصادية ، فهناك اختلاف بصددها ! صحيح أنّ السلطة الدينية الحاكمة ( أي الكنيسة ) في القرون الوسطى هي التي يجب أن تدفع الثمن بسبب استبدادها وظلمها وتعاملها السيّ مع الناس بصورة عامّة وعلماء الطبيعة بصورة خاصّة ، إضافةً إلى اهتمام الكنيسة بالشكليات والمظاهر وبالأمور التي لا تستحقّ الاهتمام ونسيان المحرومين من طبقات المجتمع ، لكن العيب في هذا الأمر هو أنّ الكلام لم يكن عن البابا والكنيسة فحسب بل عن المذاهب في العالم كلّها . وقد دخل ( الشيوعيون ) كغيرهم الميدان ليقضوا على الدين بكلّ ما يمتلكون من قوّة ، وسخّروا جميع الأجهزة الإعلامية وأفكار فلاسفتهم من أجل ذلك وسَعَوْا سعيهم لإظهار الدين وكأنّه افيون الشعوب !