الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

93

نفحات القرآن

المعنية وهو : إدراك الحقائق من دون الحاجة إلى أي استدلال ( معقّد أو بسيط ) ويتفهّمها بوضوح ويتقبّلها ، فهو حينما يشاهد - مثلًا - باقة من الورد الجميل ذات عطر زكيّ يقرّ بجمالها ، دونما حاجة إلى إقامة الدليل أبداً ، ويقول بأنّها جميلة حقّاً ولا تحتاج إلى دليل . والفهم الفطري في مجال المعرفة الإلهيّة من هذا القبيل ، فالإنسان حينما يتدبّر من أعماق روحه يبصر نور الحقّ ويسمع نداءه بقلبه ، يدعوه إلى مبدأ العلم والقدرة التي لا مثيل لها في عالم الوجود ، مبدأ الكمال المطلق ومطلق الكمال ، وهو في الفهم الوجداني - كما في جمال الورد - لا يشعر بحاجة إلى إقامة الدليل . 3 - شواهد حيّة على فطرية الإيمان باللَّه ربّما يقال بأنّ هذه كلّها ادّعاءات ولا سبيل لإثبات مثل هذه الفطرة في المعرفة الإلهيّة ، فمن الممكن أن أدّعي بأنّي أشعر بهذا الإحساس في قلبي أي من أعماق روحي ، ولكن كيف أقنع شخصاً يرفض هذا الكلام ؟ لدينا شواهد كثيرة بإمكانها إثبات فطرية المعرفة الإلهيّة بشكل واضح جدّاً ، بنحو يفحم المنكرين ، ويمكن تلخيصها في أقسام خمسة : أ ) الحقائق التاريخية إنّ الحقائق التاريخية التي تمّت دراستها من قِبَل أقدم المؤرّخين في العالم تدلّ على عدم وجود دين لدى الأقوام السابقة ، بل كان كلّ قوم يؤمنون بمبدأ العلم والقدرة في عالم الوجود ويعبدونه ، ولو سلّمنا بوجود حالات نادرة في هذا الأمر ، فإنّ هذه القضية لا تضرّ بالأصل العام الذي يحكم بأنّ المجتمعات البشرية كلّها كانت دائماً على طريق عبادة اللَّه ( كل قاعدة كليّة لها استثناءات نادرة ) . المؤرّخ الغربي الشهير ( ويل ديورانت ) في كتابه ( قصة الحضارة ) يُقرّ بهذه الحقيقة بعد الإشارة إلى بعض الموارد في الإلحاد الديني ويقول : « إلى جانب هذه القضايا التي ذكرناها فإنّ الإلحاط الديني من الحالات النادرة ، وهذا الإعتقاد القديم بأنّ التديّن حالة بشرية عامّة يتطابق مع الحقيقة . . . » .