الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
86
نفحات القرآن
الوجود ، الأوّل : الوجود الجمعي عند اللَّه تعالى والذي يعبّر عنه القرآن الكريم بالملكوت ، والآخر : الوجودات المتناثرة التي تظهر تدريجياً بمرور الزمان . وبهذا تكون حياة الإنسان في الدنيا مسبوقة بحياة إنسانية أخرى لا يكون فيها أحد محجوباً عن اللَّه تعالى ، وقد شاهده هناك كلُّ موجود بالشهود الباطني وأقرّ بربوبيته . ثمّ يضيف رحمه الله : لو دقّقنا في الآيات الآنفة الذكر لرأينا أنّها تشير إلى هذا المعنى . بعد اتّضاح التفاسير الستّة بصورة إجمالية نشرع بدراستها ونقدها : القول الأوّل هو أضعف الأقوال لدى الكثير من المحقّقين ، ووجّهوا إليه أغلب الإشكالات ، حيث أشكل عليه الطبرسي في « مجمع البيان » والسيّد المرتضى - كما نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول - كما أنّ الفخر الرازي أورد 12 إشكالًا على هذا القول ! غير أنّ بعضها ليس جديراً بالاهتمام وبعضها مكرّر أو قابل للاندماج مع غيره ، وبصورة عامّة تتوجّه خمسة إشكالات إلى هذا القول : أ ) إنَّ هذا التفسير لا ينسجم مع كلمة ( بني آدم ) أبداً ، وكذلك مع ضمائر الجمع في الآية ، وكلّها تتحدّث عن بني آدم لا آدم نفسه ، كما لا يتطابق مع لفظة « ظهور » جمع « ظهر » ، والخلاصة هي أنّ الآية تقول : إنّ « الذرّية » ظهرت من ظهور « بني آدم » لا من ظهر « آدم » ، في حين أنّ الروايات تدور حول نفس آدم . ب ) لو صحّ أخذ مثل هذا العهد الصريح في عالم سابق لهذا العالم فكيف يعقل نسيان ذلك من قبل البشر بأجمعهم ؟ ! وهذا النسيان العام دليل على استبعاد هذا التفسير ، لأنّ المستفاد من الآيات القرآنية هو أنّ البشر لا ينسون حوادث الدنيا حين تقوم الساعة ولهم حوار بشأنها غالباً ، فهل الفاصل الزمني بين عالم الذرّ والدنيا هو أكثر من الفترة بين الدنيا والآخرة ؟ ج ) لو سلّمنا - فرضاً - بأنّ هذا النسيان العام يمكن تبريره بالنسبة لعالم الذرّ ، ولكن النتيجة هي علّية هذا العهد ، لأنّه يكون مؤثّراً حينما يتذكّره الناس ، أمّا ما ينساه كافّة البشر