الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
84
نفحات القرآن
يذهب إلى هذا التفسير جمع من المفسّرين كصاحب تفسير ( المنار ) و ( في ظلال القرآن ) ونقلوا ذلك عن الكثير من المفسّرين « 1 » . وبهذا يكون ( عالم الذرّ ) هو عالم الجنين ويكون السؤال والجواب بلسان الحال لا القال ؛ ولهذا الأمر شواهد ونظائر كثيرة وردت في كلمات العرب وغيرهم ؛ كما نقل السيّد المرتضى في كلامه عن بعض الحكماء حيث يقول : « سَل الأرض من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك ؟ فإنْ لم تُجبك حواراً أجابتك اعتباراً » . هذاالقول يشابه ما ذكره جمع من المفسّرين حول الحمد والتسبيح اللذين يعمّان موجودات العالم حتّى الجمادات أيضاً . 3 - المراد من ( عالم الذرّ ) هو ( عالم الأرواح ) ويعني ذلك أنّ اللَّه عزّوجلّ خلق في البداية أرواح البشر قبل أجسادهم ، وخاطبها وأخذ الإقرار منها على وحدانيته . وقد استخلص هذا التفسير من بعض الروايات كما سنشير إليه . والجدير ذكره أنَّ كلمة ( ذرّية ) في آية البحث مشتقّةٌ من ( ذرّ ) وهي تعني ذرّات الغبار الدقيقة ، أو النمل الدقيق أو أجزاء النطفة أو من ( ذرْو ) ويعني التفريق أو من ( ذرْء ) ويعني الخلق . بناءً على ذلك لا نسلّم بأنّ الأصل في ( ذرّية ) هو ( ذرّ ) بمعنى الأجزاء الدقيقة ( فتأمّل جيّداً ) . 4 - إنَّ هذا السؤال والجواب وقع بين جمع من البشر وبين اللَّه عزّوجلّ بواسطة الأنبياء وبلسان القال حيث استمع جمع من البشر إلى أدلّة التوحيد - بعد ولادتهم وإكتمال عقولهم - من الأنبياء واستجابوا لها وقالوا ( بلى ) . فإنْ قيل إنّ ( ذريّة ) مشتقّة من ( ذرّ ) وتعني الأجسام الصغيرة جدّاً فلا تنجسم مع هذا المعنى ، فيردّ أصحاب هذا القول : بأنَّ أحد المعاني المعروفة ل ( ذريّة ) هو الأبناء - صغاراً وكباراً - وأنّ إطلاق ( ذريّة ) على العقلاء والبالغين في القرآن الكريم ليس بالقليل .
--> ( 1 ) تفسير المنار ، ج 9 ، ص 387 ( تعبيره ينسجم مع القول الخامس ) ؛ تفسير في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص 671 .