الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
79
نفحات القرآن
الاختلاف إشارة إلى مختلف أفراد البشر حيث يكون البعض من القسم الأوّل والبعض الآخر من القسم الثاني . وقد ذكرت كلمة ( الإخلاص ) في الكثير من الآيات ، حيث تشير إلى رفض كلّ معبود سوى اللَّه الواحد ، وتدلّ على أنّهم حين الدعة والراحة يعبدون اللَّه أيضاً ، ولكنّهم يجعلون للَّه أنداداً سرعان ما ينسونهم عند ارتفاع الأمواج العاتية أو الأعاصير الموحشة ، ويغمر نور التوحيد والوحدانية قلوبهم ويضيء وجودهم . ورد في تفسير « روح البيان » بأنّ عبدة الأوثان وفي أثناء رحلاتهم البحرية ( حيث كانت رحلاتهم محفوفة بالمخاطر ، باعتبار أنّ السفر عن طريق البحر مملوء بالحوادث وفي ذلك الزمان أكثر خطراً بالنسبة لعصرنا الحاضر وذلك لافتقارهم للمعدات البحرية المتطورة ) . فكانوا يحملون معهم الأصنام ، وعند هبوب الأعاصير العنيفة فانّهم كانوا يلقون أصنامهم في البحر ويستغيثون بأصوات عاليه ، ياربّ ! ياربّ ! « 1 » . والأعجب أنّهم كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وآله جميع الأدلّة المنطقية الناصعة ، لكنّهم لم يؤمنوا ، في حين كانوا يقبلون على اللَّه بكلّ وجودهم عندما يتعرضون للبلاء الشديد ، وهذا ممّا يشير إلى أنّ طريق الفطرة أسمح وأيسر للكثير من الناس من الطرق الأخرى . والجديرُ بالذكر أنّ القرآن الكريم يحذّر الذين يستجيبون لنداء الفطرة عند الشدة وينسونه عند الرخاء ، ويلفت أنظارهم ببيان جميل بقوله : « أَفَأَمِنْتُم أَنْ يَخسِفَ بِكُمْ جانِبَ البَرِّ أَوْ يُرسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لَاتَجِدُوا لكُمْ وَكيلًا » « 2 » . هل هناك إلهان أحدهما للبحر والآخر للبرّ ؟ ! أم أنّ اللَّه قادرٌ في البحر ولا قدرة له في البرّ ؟ ! إنّ اللَّه قادر على أن يأمر الأرض بأن تبتلع كل ما موجود عليها في لحظة واحدة وبواسطة زلزال واحد « 3 » .
--> ( 1 ) روح البيان ، ج 6 ، ص 493 . ( 2 ) الإسراء ، 68 . ( 3 ) قبل عدّة سنوات وقع زلزال في شمال أفريقيا وفيه ابتلعت الأرض قرية كاملة ولم يعثروا حتّى على خرائبها !