الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
76
نفحات القرآن
ومن أجل التعليل أو التشجيع على هذا الأمر تقول الآية بعد ذلك : « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا » « 1 » . وبما أنّ الانسجام والتنسيق بين ( التشريع ) و ( التكوين ) يعتبر من المسلمات حيث لا يمكن وجود أمر متأصّل في خلق الإنسان غير منسجم مع سلوكه ، فيمكن أن يكون هذا التعبير دليلًا على وجوب العمل بأصل التوحيد ونفي كلّ شرك . وللمزيد من التأكيد تقول الآية بعد ذلك : « لَاتَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » . وهذا يعني أنّ ما يتجذّر في أعماق الوجود الإنساني يستمرّ كأصل ثابت وراسخ - وسوف يتضح لنا بأنّ لهذه الجملة معنى غزير واعجازي ، حيث تشير الدراسات الحديثة التي يجريها المفكّرون إلى أنّ العلاقات الدينية هي من أشدّ العلاقات الإنسانية تجذّراً ورسوخاً وبقاءً على مر التاريخ . بيد أنّ فئة جاهلة وغافلة تقوم بإفساد هذه الفطرة الطاهرة بالشرك ، ولذا فإن القرآن يؤكد على المحافظة عليها بذكر كلمة ( حنيفاً ) « 2 » . وللمزيد من التأكيد تضيف الآية : « ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ » . كلمة « قيّم » من مادة ( قيام ) واستقامة بمعنى الثابت والراسخ والمستقيم كما جاءت بمعنى القائم بشؤون المعاد والمعاش في الإنسان « 3 » . وبما أنّ الكثير من الناس يغفلون عن هذه الحقيقة ويبتلون بأنواع من عبادة الأصنام ، لذا فقد ورد في آخر الآية قوله سبحانه وتعالى : « وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » ، والجدير بالذكر أنّ الفطرة التي جاءت في الآية لا تشمل التوحيد فقط بل تشمل الدين بجميع أُصوله وفروعه وسنتطرّق إلى هذا البحث الظريف إن شاء اللَّه تعالى .
--> ( 1 ) توجد أقوال كثيرة حول تعليل النصب في ( فطرة اللَّه ) ومنها أنّها بتقدير ( اتّبع ) و ( الزم ) . ( 2 ) يقول بعض المفسّرين بأنّ « لا » في « لَاتَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ » نافية وتعطي معنى النهي ( راجع تفاسير مجمع البيان والميزان وروح الجنان ) ولكن كما قلنا فإنّ النفي أنسب وأجمل ( فتأمّل جيّداً ) . ( 3 ) مفردات الراغب وكتب لغوية أخرى .