الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

نفحات القرآن

ويعتقد البعض الآخر أنّ الآية ناظرة إلى حقّانية القرآن الكريم ، ونبوّة الرسل ، ويقولون : « أولم يكف ربّك شاهداً أنّ القرآن من عند اللَّه » « 1 » . ويبدو أنّ التفاسير الثلاثة الأولى من بين التفاسير الخمسة هذه والتي ترى أنّ الآية ناظرة إلى قضيّة التوحيد وإثبات وجود اللَّه هي أكثر صحّة ، ويبدو التفسير الأوّل منها أكثر انسجاماً مع معاني الألفاظ الواردة في الآية ، وبذلك يكون شاهداً على ( برهان الصدّيقين ) . وننهي هذا الكلام بحديث معتبر للإمام الصادق عليه السلام . عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : إنّي ناظرت قوماً فقلت لهم : إنّ اللَّه جلّ جلاله أجلّ وأعزّ وأكرم من أن يُعرف بخلقه بل العباد يُعرفون باللَّه ، فقال : « رحمك اللَّه » « 2 » . ومن الطبيعي أنّ هذا الكلام لا يتنافى أبداً مع استخدام برهان النظم وأدلّة التوحيد وعظمة اللَّه في موجودات العالم ، في الحقيقة فإنّ برهان النظم في مستوى ، وهذا البرهان ( برهان الصدّيقين ) هو في مستوى أعلى وأرفع . بزوغ الشمس دليل عليها : في الآية الثانية يدور الحديث حول شهادة اللَّه سبحانه على وحدانيته ثمّ شهادة الملائكة والعلماء حيث تقول : « شَهِدَ اللَّهُ انَّهُ لَاإِله إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَاولُوا العِلْمِ » ، وتضيف : أنّ ذلك يكون مع قيام اللَّه سبحانه بالعدل وإدارة العالم على محور العدل : « قَائِمَاً بِالقِسطِ » . وبما أنّ القيام بالقسط والعدل يحتاج إلى أصلين هما : القدرة والعلم لكي تتحدّد موازين العدل بالعلم أوّلًا وتطبّق بالقدرة ثانياً ، أضافت الآية في ذيلها : « لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ » . والمراد من شهادة الملائكة وأولو العلم واضح ، ولكن ما هو المراد من شهادة اللَّه ؟ هناك خلاف بين المفسّرين ، حيث اعتقد البعض أنّ المراد هو الشهادة ( الفعلية )

--> ( 1 ) راجع تفسير مجمع البيان ، ج 9 ، ص 20 . ( 2 ) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 86 ، باب أنّه لا يعرف إلّابه ، ح 3 .