الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

37

نفحات القرآن

والاستغناء ، وهذا هو أوّل الكلام وآخره . على هذا الأساس فإنّ اللَّه سبحانه لا يحتاج إلى عبادتنا وطاعتنا أبداً ، كما لا يحتاج إلى مدح وثناء ، بل إنّ طاعتنا وعبادتنا لهُ ومدحنا وثناءنا عليه هي جزء من احتياجنا إليه وسبب لتكاملنا المعنوي والروحي ، حيث إنّنا كلّما اقتربنا من منبع النور فإنّا نزداد نوراً ، وكلما اقتربنا من المصدر الفيّاض ذاك فإنّا نستفيد أكثر ، وبتمثيل ناقص إنّنا كالنباتات والأشجار التي تستقبل نور الشمس دون أن تحتاج إليها الشمس . إنّ فهم هذه الحقيقة يقدّم للبشر درساً في التوحيد حتّى لا يخضعوا إلّاإلى اللَّه ولا يُطأطئوا رؤوسهم ويستسلموا لغيره وأن يمدّوا يد الحاجة إليه لأنّهُ ( غني وكريم ورحيم وودود ) . إنّ الانتباه إلى هذه الحقيقة له الأثر البالغ في تربية الإنسان ، فمن جهة يخرجه من حالة الغرور وعبادة هوى النفس ، ومن جهة أخرى يحرّره من جميع القيود ويجعله غنيّاً عن سواه ، وبهذه الرؤية والفهم سوف لا يضيع في عالم الماديات ، ويتوجّه دائماً إلى مسبّب الأسباب . وهنا لابدّ من الالتفات إلى أمرين : الأوّل : أنّ اللَّه هنا ( في الآية ) قد وُصف ب ( الحميد ) بعد وصفه ب ( الغني ) ، وكما أشرنا أنّ هذا التعبير قد تكرّر في عشر آيات ممّا يدلّ على وجود نقطة مهمّة فيه - هي كما يحتمل - : إنّ الكثير من الأغنياء يتّصفون بصفات ذميمة نظير الكبر والغرور والحرص والبخل ، حتّى لو كان لدى أحد إخوانهم نعجة واحدة ولديهم 99 نعجة فانّهم سيصرّون على أن يسلبوه نعجته ، إلى حدّ يتبادر في ذهن الكثير بأنّ لفظ ( الغني ) تعني الظلم والكبر والبخل ، في حين أنّ اللَّه سبحانه في عين كونه غني فهو رحيم وعفو وغفور ، ولذا هو أهل لكلّ مدح وثناء . أجل ، إنّ ( الغني ) الوحيد المُبرَّأ من كلّ عيب ونقص وذو الفضل واللطف والرحمة هي الذات المقدّسة . الثاني : أنَّ المخاطبين في الآية هم البشر فقط : « يَاأَيُّهَا النَّاسُ » فلماذا لم تذكر الموجودات الأخرى في حين أنّها فقيرة إلى اللَّه أيضاً ؟