الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

33

نفحات القرآن

3 - برهان الوجوب والإمكان ( الغنى والفقر ) تمهيد : استدل الفلاسفة والمتكلّمون ( علماء العقيدة ) بأدلةٍ مختلفة لإثبات وجود اللَّه سبحانه ، والبعض منها ذات أصول مشتركة ، ومن هذه الأدلّة برهان ( الوجوب والإمكان ) وبرهان ( العلّة والمعلول ) ، وستأتي تفصيلاتهما تباعاً بإذن اللَّه . وبما أنّ هذه الاستدلالات تكون ذات شروح مختلفة لذا فإنّا نشير إليها بصورة مستقلّة مع الإشارة إلى أصولها المشتركة . إن الأساس في برهان « الوجوب والامكان » أو « الغنى والفقر » يرتكز على مبدأ حاجة وفقر المخلوقات ، فعندما ننظر إلى أنفسنا وسائر الموجودات في العالم ، نراها دائماً في حالة عوَزٍ وحاجة ، فالحاجة إلى ماحولها يكاد يكون أمراً بديهياً . إن الحاجة والفقر الشامل في هذا العالم يدل على وجود مصدر عظيم للغنى وعدم الحاجة ، وهذا المصدر نطلق عليه لفظ الجلالة « اللَّه » سبحانه وتعالى « 1 » . وبعبارة أخرى إنّنا نجد كلّ موجود في هذا العالم تابع ، ولا يمكن لهذه التبعية أن تكون إلى ما لا نهاية ، والعالم عبارة عن مجموعة من التبعيات ، ممّا يدلّ على وجود ذات مستقلّة قائمة بذاتها في هذا العالم تتبعه هذه ( التبعيات ) وتستند إليه . بعد هذا التمهيد نرجع إلى القرآن الكريم لنتأمل خاشعين في الآيات التالية :

--> ( 1 ) التعبير ب « إنّ اللَّه غني حميد » وأمثاله جاء في عشر آيات قرآنية ، في البقرة ، 267 ؛ إبراهيم ، 8 ؛ الحجّ ، 64 ؛ لقمان ، 12 ؛ لقمان ، 26 ؛ الحديد ، 24 ؛ الممتحنة ، 6 ؛ التغابن ، 6 ؛ النساء ، 131 ؛ والآية أعلاه كما أنّ وصف اللَّه بالغنى ورد في آيات أكثر عدداً ، وهذا التأكيد والتكرار القرآني في هذا الصدد يحكي أهميّة المضمون في هذا التعبير .