الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
295
نفحات القرآن
امِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِدَاً لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » ، ومن المسلّم به أنّ اليهود والنصارى لم يعتقدوا بألوهية علمائهم ورهبانهم ولم يعبدوهم كما نعبد اللَّه تعالى أبداً ، فلماذا إذن استعمل القرآن الكريم كلمة ( ربّ ) و ( إله ) فيهم ؟ ! وردت الإجابة عن ذلك في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام والإمام الصادق عليه السلام : « أما واللَّه ما صاموا لهم ولا صلّوا ولكنّهم أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالًا فاتّبعوهم وعبدوهم من حيث لا يشعرون » « 1 » . وقد ورد هذا الحديث بطرق متعدّدة أخرى في المصادر الشيعية والسنّية ومنها ما نقرأه في كتب عديدة : « عن عَدي بن حاتم قال : أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وفي عنقي صليب من ذهب فقال : يا عدي : اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ آية : اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللَّه . فقلت له : يا رسول اللَّه لم يكونوا يعبدونهم فقال : أليس يحرّمون ما أحلّ اللَّه تعالى فيحرّمونه ويحلّون ما حرّم اللَّه فيستحلّونه ؟ فقلت : بلى ، قال : ذلك عبادتهم » « 2 » . وبهذا يتّضح أنّ اتّباع وإطاعة أشخاص يأمرون على خلاف حكم اللَّه يكون لوناً من الشرك . الآية العاشرة والأخيرة تخاطب جميع البشر : « أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُم يَابَنِى آدَمَ أَنْ لَاتَعبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ » « وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ » . ومن المسلّم به أنّه لا أحد يعبد الشيطان بمعنى الركوع والسجود والصلاة والصيام ، فما هي العبادة التي نُهي عنها ؟ هل هي شيء غير الطاعة ؟ أجل ، إنّهم حينما يستسلمون لما يريده الشيطان ويقدّمون أمره على أمر اللَّه فانّهم مشركون وعبّاد الشيطان ، والشرك هنا
--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 23 ؛ وتفسير البرهان ، ج 2 ، ص 120 و 121 . ( 2 ) تفسير روح المعاني ، ج 10 ، ص 75 وورد هذا المعنى في تفاسير متعدّدة أخرى منها تفسير درّ المنثور بفارق طفيف .