الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

282

نفحات القرآن

ولكنّا لا نرى دليلًا لتحديد مفهوم الآية ، بل كما قال بعض المحقّقين : إنّ الآية تشمل كلّ قضاء سواء كان في الأحكام أو في المفاهيم الدينية أو في معنى الآيات المتشابهة أو غيرها . إنّ الآية هذه من الآيات التي تثبت هذه الحقيقة بوضوح وهي أنّ كلّ المسائل التي يحتاجها الناس قد وردت في الكتاب والسنّة ، ويكون كلّ قياس وتشريع وأمثاله باطلًا ، فلولا وجود هذه الأحكام كلّها في الكتاب والسنّة فلا معنى لإرجاع جميع الاختلافات إلى اللَّه فيها ( تأمّل جيّداً ) . والملاحظ أنّ الفخر الرازي وبعض المفسّرين قد أقرّوا بهذه الحقيقة واعتبروا هذه الآية من جملة الأدلّة المبطلة للقياس في الأحكام الفقهية « 1 » . فالآية تقول : يجب إرجاع الحكم في جميع الاختلافات إلى اللَّه ، وبالطبع فإنّ النبي صلى الله عليه وآله هو خليفة اللَّه المصطفى من بين الناس ، فلو لم يتضمّن الكتاب والسنّة طرق حلّ للاختلافات في الأحكام والعقائد وما يتعلّق بالشرع لكان إرجاع الاختلافات إلى اللَّه عزّ وجلّ لا معنى له . الآية العاشرة والأخيرة تقول كاستنتاج عام عن لسان النبي صلى الله عليه وآله : « أَفَغَيرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا » وعليه فإنّ ( الحكم والحاكم والقاضي ) هو ذاته المقدّسة فقط لأنّه عالم بكلّ شيء ، والقرآن أفضل دليل على علمه « 2 » . وأمّا السؤال عن أنّ الحكمية في أي شيء تكون ؟ فإنّ القرائن تشير إلى أنّ المقصود هو

--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 27 ، ص 149 . ( 2 ) « حكم » : كما يعتقد المرحوم الطبرسي في مجمع البيان والشيخ الطوسي في ( التبيان ) يطلق على من لا يحكم إلّابالحقّ في حين أنّ ( الحاكم ) يمكن أن يحكم بغير الحقّ ، ولكن لم يتوضّح من أين استفيد هذا المعنى إلّاأنّ القدر المسلّم به هو أنّه صفة مشبهة وتدلّ على الدوام والاستمرار ويطلق على من يحكم باستمرار ، والقصّة المعروفة عن ( الحكمين ) في حرب صفّين شاهد على نفي هذا المعنى ، غير أنّ هذه الكلمة أو كلمة ( حاكم ) إذا استعملت في اللَّه فانّها إشارة إلى القضاء والحكم المنزّه عن كلّ ظلم وخطأ وليس لهذا ارتباط بالأصل اللغوي .