الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

267

نفحات القرآن

جمع الآيات وتفسيرها اللَّه مالك الملك : قال المفسّرون : إنّ الآية الأولى نزلت بعد فتح مكّة ، أو حينما كان النبي الكريم صلى الله عليه وآله مشغولًا بحفر الخندق قبيل معركة الأحزاب حيث بشّر المسلمين بفتح بلاد فارس والروم وقد اعتبر المنافقون ذلك تخيّلات وتكهّنات وتشبّثاً بالمحالات « 1 » . وفي هذه الأثناء نزلت الآية المذكورة وأنذرت الجهلاء بأنّ اللَّه مالك كلّ البلدان حيث قالت : « قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤْتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ » وليس الحكومات فقط وليس العزّة والذلّة بل : « بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ » « 2 » . وقدرة اللَّه عزّوجلّ على كلّ شيء هي - في الحقيقة - دليل حاكميته على الأرض والسماء . ومن الواضح أنّ لمالكية اللَّه بُعداً عامّاً وحقيقيّاً ، في حين ما جاء في المورد الآخر في جملة : « تؤتي الملك من تشاء » يكون له بعد جزئي ومجازي . ولا دليل على تحديد مفهوم الآية بفتوحات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أو عزّة المؤمنين وذلّة اليهود وما شاكل - كما يعتقد بعض المفسّرين - بأنَّ للآية مفهوماً واسعاً يشمل كلّ الحكومات وكلّ عزّة وذلّة ، وما قالوه فهو من مصاديقها الواضحة ، والجملة الأخيرة : « إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ » هي في الواقع بمثابة الدليل على هذه المالكية الإلهيّة العامّة والمطلقة . وواضح أنّ المشيئة والإرادة الإلهيّة التي استند إليها في هذه الآيات لا تعني أنّ اللَّه يعزّ أو يذلّ أو يعطي الحكومة ويسلبها بدون حساب ، بل إنّه وضع في عالم الأسباب مجموعة من عوامل النصر والهزيمة وهي مظاهر مشيئته وإرادته .

--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 2 ، ص 427 ؛ وتفسير الكبير ، ج 8 ، ص 4 . ( 2 ) قال بعض اللغويين : الخير والاختيار لهما مادّة واحدة ، والحسنات خير لأنّ كلّ إنسان يختارها ( التحقيق ، المفردات ، تفسير الميزان في ذيل آية البحث ) .