الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

233

نفحات القرآن

ليس شركاً كما يظنّ الوهّابيون ، بل إنّ اعتقادهم يمثّل أسوء ألوان الشرك ، لأنّنا لو اعتبرنا ذلك شركاً لكان الإعتقاد بأصل وجود الموجودات شركاً أيضاً . وهكذا فإنّ الإعتقاد بقدرة الإنسان وتأثيره بعد رحيله من الدنيا لا يعدّ شركاً ، لأنّ الإنسان لا يكون جماداً بعد موته . ثمّ إنّ اعتقاد الوهّابيين يتّسم باللاإنسانية حيث ينزلون الإنسان منزلة الحيوان الطبيعي وهو الذي اعتبره اللَّه خليفة له وأعلى منزلة من الملائكة الذين سجدوا له . وهنا نصل إلى حقيقة الحديث الشهير الوارد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ويقول فيه ما نصّه : « إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء ، في ليلة ظلماء » « 1 » . والطريف أنّ الردّ على الوهّابيين موجود في الآية التي يستدلّون بها على إنكار الشفاعة و ( التوسّل ) ، لأنّ القرآن الكريم يقول : « فَلَا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ احَداً » . ( الجن / 18 ) ويعني المثيل الذي يكون في عرضه وعلى هيئة الموجود المستقلّ كذاته المقدّسة ، ولكن إذا كان تأثيره بإذنه وأمره لا في عرضه فإنّ ذلك ليس شركاً فحسب بل فيه تأكيد جديد على أصل التوحيد الذي ينتهي كلّ شيء إليه . وهذا يشابه ما طلبه اخوة يوسف من أبيهم يعقوب وكان نبيّاً عظيماً وقد تقبّل ذلك منهم حيث قالوا : « يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا » . ( يوسف / 97 ) فاستجاب لهم وقال : « سَوفَ أَسْتَغفِرُ لَكُم رَبِّى » . ( يوسف / 98 ) هذه هي حقيقة التوحيد في العبادة ، وتوحيد الأفعال التي ستتمّ الإشارة إليها وليس كما يظنّه الوهّابيون المتحجّرون .

--> ( 1 ) مقدمة في الرؤية الكونية للشهيد المطهري ، ص 113 ( مع الاختصار ) .