الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

227

نفحات القرآن

وربوبية المسجود له ) ، وذكر سجود الملائكة لآدم وسجود اخوة يوسف بين يديه كشاهدين على ذلك . وفي المقابل اعتبر بعض آخر أنَّ الاستغاثة والتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام وطلب الشفاعة وأداء الاحترام لهم ، شركاً ، واعتقدوا بأنّ فاعله مشرك . وفي الحقيقة أنّه لا يمكن التوفيق بين هاتين العقيدتين . وللإيضاح نقول : إنّ حقيقة العبادة كما نقلنا عن اللغويين في بداية البحث في شرح المفردات هي : الخضوع المطلق وغاية التواضع والتذلّل أمام المعبود ، وهذا العمل مختصّ باللَّه من وجهة نظر إسلامية ويكون شركاً في العبادة إن كان موجّهاً إلى معبود آخر . وبعبارة أخرى إنّ للخضوع والتواضع درجات ، درجة منها تحدث أمام الأصدقاء ويقابلها التكبّر عليهم ، ودرجة أخرى تكون أمام أفراد محترمين كالوالدين كما يقول القرآن : « واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ » . ( الاسراء / 24 ) والدرجة الأكمل تكون أمام الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام حتّى أنّ المسلمين لم يحقّ لهم رفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله بدليل قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتَرفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلَا تَجهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعضٍ » . ( الحجرات / 2 ) ولكن آخر مرحلة من الخضوع والتواضع والتذلّل التي نطلق عليها كلمة العبادة والعبودية هو ( السجود ) . وعليه فإنّ الخضوع المطلق وغاية التذلّل ( وإن لم يقترن الإعتقاد بالربوبية والمملوكية ) يكون عبادة ومختّصاً باللَّه ولهذا لا يجوز السجود لغيره . ولصاحب تفسير ( المنار ) في تفسير سورة الحمد كلام في معنى العبادة ملخّصه : أنَّ العبادة ضربٌ من الخضوع بالغٌ حدَّ النهاية ، ناشىء عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشأها ، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيّتها ، وقصارى ما يعرفه منها أنّها محيطة به ولكنّها فوق إدراكه ، فمن ينتهي إلى أقصى الذلّ لملك من الملوك لا يقال أنّه عبده وإن قبَّل موطىء أقدامه ، ما دام سبب الذلّ والخضوع معروفاً وهو الخوف من ظلمه المعهود ،