الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

219

نفحات القرآن

لا أعبد غير اللَّه : في الآية الخامسة يصل الدور إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حيث يأمره اللَّه عزّوجلّ : « قُلْ إِنِّى نُهِيتُ انْ اعْبُدَ الَّذِينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » . والاستفادة من لفظ ( الذين ) الذي يستعمل لجمع المذكّر العاقل في معبوداتهم هو إمّا لتصوّرهم في عالم وهمهم وخيالهم أنّ الأصنام ذات روح وعقل وشعور ، وأمّا لوجود أشخاص كالمسيح أو الملائكة والجنّ بين هذه المعبودات . ولتبيان الدليل على هذا المنع والنهي الإلهي تضيف الآية : « قُلْ لَّااتَّبِعُ اهوَاءَكُم قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ المُهتَدِينَ » . ويعني هذا أنّ جذور الشرك كلّها ترجع إلى عبادة الهوى والظنّ والوهم ، ومن المسلّم به أنّ اتباع الهوى يستتبع الضلال ولا ينتهي بالسعادة والهداية أبداً . الآية السادسة توجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وتأمره بأن يثبت ويواصل عبادة اللَّه الواحد واجتناب كلّ شرك وعبادة للأصنام حيث تقول : « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيكَ اليَقينُ » . وقد فسّر المفسّرون ( اليقين ) هنا بمعنى الموت ، واعتبروه نظير قول السيّد المسيح عليه السلام : « واوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً » . ( مريم / 31 ) ونقرأ في موضع آخر من القرآن على لسان أهل النار : « وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ * حَتّى أَتَانَا اليَقِينُ » . ( المدثر / 46 - 47 ) كما جاء التعبير عن ( الموت ) ب ( اليقين ) في الروايات الإسلامية ، ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام نقرأ قوله عن الموت : « لم يخلق اللَّه يقيناً لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت » « 1 » ، ( لأنّ الناس لا يكترثون به وكأنّهم لا يصدقون أنّهم سيموتون ) ! والتعبير عن ( الموت ) ب ( اليقين ) إمّا لما أشير إليه في الحديث المذكور أي هو مسألة يقطع

--> ( 1 ) تحف العقول ، ص 271 .