الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
211
نفحات القرآن
ولذا يحتمل أن يكون مرادهم هو صفات الفعل كالخالقية والرازقية ، لأنّ اللَّه قبل أن يخلق موجوداً ويرزقه لا معنى للخالقية أو الرازقية بالنسبة إليه ( طبعاً كان قادراً على الخلق والرزق ولكن القدرة على شيء غير إيجاده ) إلّاأنّ البحث في توحيد الصفات لا يرتبط بصفات الفعل والكلام هو في صفات الذات كالعلم والقدرة ، وكما سيأتي مفصّلًا بأنَّ صفات الفعل مستقلّة عن صفات ذات اللَّه ، فصفات الفعل شيء ينتزعه العقل بعد مشاهدة أفعال اللَّه وينسبها إلى اللَّه ( سنقرأ تفصيل ذلك لاحقاً ) . وأوضح إشارة في باب إثبات وحدة الصفات في الآيات القرآنية هي الآية القائلة : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ » و « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . . . » التي تقدّم تفسيرها وتدلّ على أنّ ذاته المقدّسة لا تتّصف بأيّة إثنينية . ويمكن في الاستدلالات العقلية الاستناد إلى بعض النقاط : 1 - ثبت في الأبحاث السابقة أنّ اللَّه غير متناهٍ من جمع الجهات ولذا لا توجد خارج ذاته أيّة صفة كمال ، فكلّ ما يوجد مجموع في ذاته ، وعندما نرى أنّ صفاتنا حادثة أو أنّها غير ذاتها فإنّ السبب هو أنّنا موجودات محدودة ، ولهذه المحدودية تكون الأوصاف والكمالات خارج ذواتنا وهي ممّا نكتسبها أحياناً ، أمّا ذات اللَّه وهو الكمال المطلق فأي صفة يمكن تصوّرها خارج ذاته المقدّسة ؟ 2 - لو قلنا بأنّ صفاته مضافة إلى ذاته أو إعتقدنا بأنّ صفاته كالعلم والقدرة منفصلة عنه فإنّ النتيجة هي التركيب ( تركيب من الجوهر والعرض بل عوارض متعدّدة ) في حين ثبت مسبقاً أنّه لا سبيل لأيتركيب في ذاته خارجياً أو عقليّاً . وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا المضمون في الخطبة الأولى من نهج البلاغة بعبارة جميلة جدّاً في باب توحيد الصفات : « وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله » .