الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

208

نفحات القرآن

وكما أنّ « أحد » استعمل في جملة ثبوتية كما في سورة البحث وآيات قرآنية أخرى « 1 » . فالصحيح هو أن نقول بأنّ الاثنين يشيران إلى معنى واحد . على كلّ حال ، يعتقد بعض المفسّرين أنّ جملة ( اللَّه أحد ) هي أكمل وصف لمعرفة اللَّه يمكن أن يستقرّ في عقل الإنسان ، لأنّ كلمة ( اللَّه ) تشير إلى الذات التي لها صفات الكمال كلّها وفي ( أحد ) إشارة إلى نفي الصفات السلبية كلّها « 2 » . والقرآن الكريم في إكمال هذه الآيات يقول : « اللَّهُ الصَّمَدُ » فهو إله قائم بالذات وغني ويقصده كلّ المحتاجين ويتوجّهون إليه . وكلمة « صمد » كما في ( مقاييس اللغة ) لها أصلان : أحدهما يعني القصد ، والثاني الصلابة والاستحكام ، وعندما تستعمل بصدد اللَّه تعالى فإنّ معناها هو الغني المطلق الذي يتوجّه إليه كلّ المحتاجين ، وتعني أيضاً الذات الواجبة الوجود والقائمة بذاتها . ومن الممكن أن يرجع الأصلان إلى أصل واحد ، لأنّ الذات المستحكمة والصلبة والقائمة بذاتها تكون غنيّة - طبعاً - وموضعاً لتوجّه جميع المحتاجين ، وعليه فإنّ ( صمد ) يمكن أن يكون إشارة إجمالية إلى جميع الصفات الثبوتية والسلبية للَّه‌تعالى ، ولعلّه لهذا الدليل ذُكرت معانٍ كثيرة ل ( صمد ) في الروايات الإسلامية حيث يشير كلّ واحد منها إلى إحدى صفات اللَّه « 3 » . على أيّة حال ، لا تخفى العلاقة بين هذه الآية والآية السابقة لها التي تتحدّث عن وحدانية اللَّه ، لأنّ واجب الوجود والغني وحاجة جميع الموجودات إليه تستلزم أن يكون واحداً وأحداً . وفي الآية اللاحقة تأكيد آخر على حقيقة التوحيد حيث ترد عقيدة النصارى في الآلهة الثلاثة ( الأب ، والابن ، والواسطة بينهما ) ، وتبطل عقيدة اليهود بأنّ عزير ابن اللَّه ، كما تبطل

--> ( 1 ) الآيات : التوبة ، 6 ؛ النساء ، 43 ؛ مريم ، 26 ؛ البقرة ، 180 ؛ الكهف ، 19 ؛ وآيات كثيرة أخرى . ( 2 ) تفسير الكبير ، ج 32 ، ص 180 . ( 3 ) راجع التفسير الأمثل ، ذيل الآية 2 من سورة الاخلاص .