الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
189
نفحات القرآن
وهذا الجواب وإن كان مخجلًا إلّاأنّهم لم يملكوا شيئاً ليقدّموه . وفي طول هذه الآيات يردّهم إبراهيم عليه السلام بمنطق رصين : « قَالَ أَفَرَأَيتُم مَّا كُنتُم تَعبُدُونَ * أَنتُم وآباؤكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُم عَدُوٌ لِّى إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ * الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِى هُوَ يُطعِمُنِى ويَسقِينِ * وَاذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشفِينِ * وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحيِينِ * وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَومَ الدِّينِ » . ( الشعراء / 75 - 82 ) أي أنّه أهل للعبادة فهو المبدىء لكلّ الخيرات والبركات ، لا تلك الموجودات الخاوية والفاقدة للقيمة . وتنقلُ الآية الثالثة كلاماً لقوم فرعون وفيها انعكاس لهذا المضمون بشكل آخر حيث تقول : « قَالُوا اجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا وَتَكونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِى الْأَرْضِ » « 1 » وعليه « وَمَا نَحنُ لَكُمَا بِمُؤمِنِينَ » . انّهم استندوا - في الحقيقة - إلى هذه النقطة فقط لإثبات صحّة مسلكهم وقداسته وهي أنّ هذا هو طريق الأسلاف ودينهم وعادتهم ، ولكي يتّهموا موسى وهارون بأنّهما يتآمران قالوا : إنّكما تبغيان الحكومة عن طريق الدعوة إلى التوحيد وهدم الشرك وعبادة الأصنام من أساسها ولا نسمح بذلك ! ويبدو أنّ هذا الكلام القي من قبل زبانية فرعون حيث عارضوا دعوة موسى وهارون للتوحيد بطريقين شيطانيين : أحدهما : هو إثارة العواطف لدى عامّة الناس الجاهلين وذلك بالتحذير من أنّ دين أسلافهم في خطر ، والآخر : هو إثارة سوء الظنّ فيهم بوصف دعوة موسى وهارون أنّها تجري وفق مخطّط مسبق للوصول إلى الحكم وإلّا فإنّها لا واقعية لها . وقد استخدم هؤلاء الجبابرة والطغاة هذين الطريقين لاستغفال الناس ومواصلة حكمهم
--> ( 1 ) « لتلفتنا » من « لفت » وهو الصرف عن الشيء أو الإلفات إلى الشيء لو تعدّت ب ( من ) فإنّها تعني الانصراف وب ( إلى ) فإنّها تعني ( التوجّه ) .