الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

187

نفحات القرآن

جمع الآيات وتفسيرها عبادة الأصنام دين أجدادنا ! إعتقدت طائفة من مشركي العرب أنّ الملائكة بنات اللَّه وعكفت على عبادتها ، والآية الأولى في هذا البحث تردّ على هذا الفكر الجاهلي من جوانب مختلفة فتخاطبهم تارةً : إنّكم تفرحون بالوليد إذا كان ذكراً ولكن تحزنون إذا كان أُنثى فكيف تنسبون إلى اللَّه البنات ؟ ( هذا الجواب يناسب طبعاً - درجة فهمهم وأفكارهم ) وتذكر تارةً أخرى حججهم الواهية لهذه العبادة وتردّهم وتصل إلى هذا الدليل أخيراً : « بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى امَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثارِهِم مُّهتَدُونَ » « 1 » ولكن القرآن يخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مباشرةً ويقول : إنّ التقليد الأعمى هذا والإتّباع اللامشروط واللامقيّد يمثّل عقيدة سلفية وهذه الأعذار الواهية التي لا أساس لها لا تنحصر في مشركي العرب فحسب بل : « وَكَذَلِكَ مَا أَرسَلْنَا مِنْ قَبلِكَ فِى قَريَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُترَفُوهَا إِنَّا وَجَدنَا آبَاءَنَا عَلَى امَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقتَدُونَ » . وبذلك أشاروا إلى أنّ أحد العوامل الرئيسة في انتشار خرافة الشرك جيلًا بعد جيل هو التقليد الأعمى واللامشروط واللامقيّد والتحجير على العقل والإدراك وعدم بذل جهود في التحقيق والتدبّر والاستسلام أمام خرافات الأسلاف . والاستناد إلى عنوان ( مترفون ) كما يقول بعض المفسّرين فيه إشارة إلى أنّ التشبّث بالدنيا والاستمتاع باللذائذ المادّية والمتنوّعة والكسل أو الجزع من جهود التحقيق والاستدلال هو السبب لهذا التقليد الأعمى القبيح ، فلو أنّهم تخلّصوا من هذا الحجاب المظلم لم يصعب عليهم رؤية وجه الحقيقة ، ولهذا يقول النبي الكريم صلى الله عليه وآله : « حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة » « 2 » .

--> ( 1 ) « امّة » في الآية - كما يعتقد جمع من المفسّرين - عبارة عن المنهج المتّفق عليه لدى طائفة وقد فسّرها بعض‌المفسّرين بمعنى الجماعة والفئة ، والمعنى الأوّل هو المشهور وإن وردت ( امّة ) في آيات أخرى بمعنى الجماعة وقد تأتي بمعنى المدّة الزمنية . ( 2 ) التفسير الكبير ، ج 27 ، ص 206 ، كما توجد إشارة إلى هذا الأمر في تفسير روح البيان وتفسير الميزان في ذيل آية البحث .