الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

173

نفحات القرآن

ببناء برج عالٍ جدّاً ، وفي النهاية يصعد إلى أعلى البرج ليحرّك نفسه ويقول : إنّي بحثت عن إله موسى عليه السلام في السماء فلم أجد له أثراً ! إنَّ هذه القضيّة توضّح أمراً مهمّاً وهو إنّ مستوى التفكير العامّ في مصر كان بسيطاً إلى حدّ أنّهم لم يكونوا ليصدقوا إلّابإلهٍ محسوس ، وبالتالي يصدقون فرعون بادّعائه الألوهية وتوقّعوا أن يكون إله موسى جسماً في أعالي السماء ! وفي مثل هذه الأجواء تشيع روح الصنمية وعبادة الأصنام قطعاً ! الآية الرابعة تنقل أقوال المشركين واحتجاجاتهم المتنوّعة والغريبة حيث طرح كلّ واحد اقتراحاً على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وتمسّك بحجّة معيّنة حيث تقول الآية : « وَقَالُوا لَن نُّؤمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرضِ يَنبُوعاً » « 1 » ، وقد تمسّك البعض الآخر بحجج أخرى وقالوا أخيراً : « أَو تُسقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفاً أَو تَأتِىَ بِاللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلًا » « 2 » . والمطالبة الأخيرة توضّح جيّداً أنّهم تصوّروا أنّ اللَّه والملائكة ذوو أجسامٍ وموجودات جسمانية ، ولم يتحمّلوا تصوّر وجود خارج عن إطار عالم الجسم والطبيعة ، ويعتقد بعض المفسّرين بأنّ مرادهم من الإتيان بالملائكة هو أن تأتي لتعيّن اللَّه ! « 3 » أو تشهد على ألوهيته ، وتشير هذه كلّها إلى المستوى الفكري المتخلف لُاولئك القوم المعاندين . أيتوقّعون أن يأتي اللَّه إليهم ! تحدّثت الآية الخامسة والأخيرة عن الكفّار والمشركين وأفكارهم المنحطّة فتقول :

--> ( 1 ) « ينبوع » من « نبع » وتعني عين الماء . ( 2 ) فسّرت كلمة « قبيل » تارةً بمعنى « المقابل » ، وتارةً بمعنى الكفيل والشاهد ، وتارةً بمعنى الجماعة والفئة ، ويمكن الموافقة على المعاني الثلاثة في مورد الآية أعلاه . ( 3 ) تفسير في ظلال القرآن ، ج 5 ، ص 359 .