الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

164

نفحات القرآن

( الشرك ) ليس له أي دليل أو برهان وعليه يكون وليداً للظنون والأوهام فتقول : « وَمَنْ يَدعُ مَعَ اللَّهِ الهاً آخَرَ لَابُرهَانَ لَهُ بِه فَإِنَّمَا حِسابُهُ عِندَ رَبِّهِ انَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ » . ومن الملاحظ أنّ عقوبة المشركين هنا غير موضّحة بل تقول الآية : « حِسابُه عِندَ رَبِّهِ » وهو أكبر تهديد ، لأنّ العظيم والقاهر هو المحاسب فيكون عقابه شديداً قطعاً وعبارة ( لا برهان له ) تفيد - في الواقع - هذا الأمر وهو : أنّ الشرك لا يدلّ عليه أي دليل سواء كان عقليّاً أو نقليّاً ولا تنسجم الفطرة معه ولا المنطق ، بل كلّما أمعنّا النظر في هذه القضيّة ظهر بطلانها أكثر . والتعبير ب « لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ » شامل ينفي كلَّ فلاح عن الكافرين في الحياة المادية والمعنوية ، في الدنيا والآخرة ، ويؤيّد هذه الدعوى مشاهدتنا اليومية للذين لا يؤمنون . أسماء بلا عناوين : طرحت الآية الثانية هذا المضمون في إطار جميل آخر وتقول عن لسان يوسف عليه السلام وهو يخاطب صاحبيه في السجن : « مَا تَعْبدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُم وآباؤُكُم » والشاهد على ذلك هو أنّها « مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها منْ سُلْطانٍ » ، فلو كانت حقائق لقام عليها الدليل العقلي والنقلي ، فمن المحال أن يفقد الدليلَ أمرٌ بهذه الدرجة من الأهميّة ( وهو وجود الشريك للَّه‌عزّ وجلّ ) ، وعدم الدليل هذا دليل على العدم ! من هنا تستنتج الآية في الخاتمة : « إنِ الحُكمُ إِلَّا للَّه » و « أَمَرَ ألَّا تَعْبُدوا إِلَّا إِيَّاهُ » و « ذَلِكَ الدِّينُ القَيَّمُ وَلكِنَّ أَكْثَر النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » . وكلّ جملة - في الحقيقة - في هذه الآية بمثابة دليل على نفي الشرك ، حيث تقول من جهة : إنّ اللَّه لم ينزل أي دليل على وجود آلهتكم ، وتقول من جهة أخرى : إنّ حاكمية العالم وتدبيره مختصّ به حيث تلاحظ علامات الوحدة في التدبير في كلّ مكان . وتقول من جهة ثالثة : إنّه أمر بعبادة الإله الواحد ، فهل يعقل أن يأمر الإله الحكيم بأمر كاذب ؟