الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
16
نفحات القرآن
على أيّة حال فإنّ القرآن اعتمد تبيان هذا الإجمال في الآيات اللاحقة ، فبدأ أوّلًا بالنجوم وبيّن استدلال إبراهيم عليه السلام في إبطال مذهب عبدة النجوم بهذا النحو : « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَءَا كَوكَباً قَالَ هذَا رَبِّى » . التعبير ب « رأى كوكباً » مع أنّ نجوماً كثيرة تظهر في الليل - فيه إشارة إلى نجم كبير ولامع لفت نظره إليه ، وبما أنّ كوكب ( الزُهرة ) يظهر أوّل الليل و ( كوكب ) يعني ( النجم عند طلوعه ) يتعزز بذلك التفسير الذي يميل إليه أغلب المفسّرين وهو أنّ النجم كان الزُهرة أو المشتري اللذين كانا يعتبران في العصور القديمة من الآلهة المعبودة عند المشركين ، ويؤيد ذلك ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في إحدى الروايات بأنّ هذا النجم هو كوكب الزُهرة . على كلّ حال فإنّ هذا النجم لم يدم طويلًا حتى أفل ، فقال إبراهيم عليه السلام : « . . . لَااحِبُّ الآفِلينَ » . مرّة أخرى التفت إبراهيم إلى بزوغ ( القمر ) من وراء الأفق فأضاء السماء والأرض بنوره الأخاذ والجميل فقال إبراهيم عليه السلام : « هَذَا رَبّى » . ولكن لم يدم طويلًا حتّى تعرّض القمر إلى مصير النجم واختفى وراء الأفق وعادت السماء مظلمة ، ( عندئذ قال إبراهيم عليه السلام الذي كان يسعى للوصول إلى حقيقة وكنه المعبود : « لَئِن لَّم يَهِدِنى رَبّى لَأَكُونَنَّ مِنَ القَومِ الضالِّينَ » . وبهذه الطريقة تبين أنّ سعي الإنسان لا يكفي للوصول إلى الحقّ ، بل يجب أن يتعزز بالعون والعناية الإلهيّة وكي لا يكون من الضالّين ، ومن المؤكّد أنّ هذا الإمداد والعون يشمل الذين يجهدون أنفسهم في ابتغاء الحقّ ، وطلب معرفة اللَّه سبحانه وتعالى . وأخيراً انتهى الليل ، وأخذ الظلام يلم ستائره التي أسدلها على السماء ، وبزغت الشمس فجأةً بوجهها النيّر المتلألئ من الشرق وألقت بأشعتها الذهبية على الجبال والصحاري ، « فَلَمَّا رَءَا الشَّمسَ بَازِغةً قَالَ هَذَا رَبِّى هذا أَكبَرُ » « 1 » .
--> ( 1 ) « الشمس » وإن كانت مؤنثاً مجازياً ويجب أن يشار إليها ب ( هذه ) ولكن نعلم أنّ قضيّة المذكر والمؤنث سهلة وهنا يمكن أن يكون ( هذا ) إشارة إلى ( الموجود ) أو ( المشاهد ) .