الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

136

نفحات القرآن

البَصَر » هو النظر الدقيق والعميق ، والمخاطب في هذه الآية وإن كان هو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ولكن من الواضح أنّ المراد هم البشر جميعاً ، وتضيف الآية : « ثمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتين يَنْقَلِبْ الَيْكَ البَصرُ خَاسِئاً وهُوَ حَسِيرٌ » « 1 » . بهذا الأسلوب يقوم القرآن الكريم وبتعابير مختلفة بدعوة البشر إلى النظر في عالم الوجود ولا يكتفي بالدعوة بل يرغبهم ويحرّكهم ويحرّضهم على هذا العمل ، كي يعلموا أنّهم لا يجدون خللًا أو نقصاً فيه ، وعندما لا يرون ذلك فسوف يتعرّفون على حقيقة توحيد المُبدىء والوحدانية ويردّدون جملة ( لا إله إلّااللَّه ) قلباً ولساناً . هناك نقطة جديرة بالاهتمام وهي أنّ ( نفي الاختلاف ) من بين الموجودات في العالم والذي ورد في الآية أعلاه يعني حسب اعتقاد البعض : نفي العيب والنقص ، وقد فسّره البعض بمعنى نفي عدم الانسجام ، وفسّره آخرون بنفي الاضطراب والتزعزع ، وبعض بنفي الإعوجاج ، وبعض بنفي التناقض ، في حين أنّ الآية لها مفهوم واسع يشمل كلّ هذه المعاني ( هذه المفردة مشتقّة من ( فوت ) لأنّ المتفاوتين يفقد كلّ منهما الصفات المختصّة بالآخر ) . تعدد الآلهة : الآية الثانية تعرض هذا المضمون في إطارٍ آخر وصورةٍ أخرى حيث تقول : « أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ » « 2 » . وفي التعبير ب « من الأرض » إشارة لطيفة وهي أنّهم ( أي المشركون ) كانوا يصنعون

--> ( 1 ) « ارجع البصر » كناية عن النظر المتكرّر والمقرون بالدقّة والاهتمام ، و ( خاسيء ) من ( خسئاً ) ويعني الانقباض والانغلاق المقرون بالذلّة ويمكن أن يكون هنا كناية عن الحرمان والفشل ، و ( حسير ) من ( حسر ) ويعني الضعف وافتقاد القدرة وتعني في الأصل : الاختفاء ، وبما أنّ الشيء إذا ضعف فإنّه يتجرّد عن قدرته وطاقته وقد استعمل هذا اللفظ بمعنى الضعف . ( 2 ) لفظ ( أم ) في الآية - كما يقول جمع من المفسّرين - منقطعة وتعني ( بل ) ، في حين اعتقد البعض بأنّها بمعنى هل الإستفهامية ، وبما أنّ المشركين لم يدّعوا أنّ الأصنام خالقة ، كان بمعنى الاستفهام الإنكاري أكثر مناسبة .