الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

118

نفحات القرآن

إنّ الكفر بالأشخاص يعني إعلان البراءة منهم ، لأنّ هذه المفردة ( الكفر ) ذات معانٍ خمسة حسب الروايات الإسلامية ، أحدها كفر البراءة ، ولم تكتفِ بذلك بل أضافت : « وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغضَاءُ أَبداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحدَهُ » . وإنّ هذه التعابير ( البراءة أوّلًا ثمّ إعلانها ثمّ الإعلان عن العداوة الدائمة ) لشاهد صريح على صلابة الموحّدين تجاه القذرين الملوثين بالشرك وعبادة الأوثان ، وحينما نلاحظ أنّ القرآن يذكر كلام النبي إبراهيم عليه السلام وأتباعه كقدوة للمسلمين فإنّ ذلك يعني أنّ الإسلام لا يعرف أيّة مهادنة بين التوحيد والشرك في أيّة مرحلة . ومن التعمّق في تعبير الآية تنكشف الأهمّية البالغة لهذه القضيّة ، فالتعبير ب ( قومهم ) دليل على أنّ غالبية القوم هم من عبدة الأصنام وأنّ الموحّدين قليلون ، ويبدو أنّ هذا الحوار جرى في ( بابل ) ، التي هي مركز عبدة الأصنام في ظلّ سلطة الطاغية ( النمرود ) ، ولم تعمد هذه المجموعة الصغيرة المؤمنة إلى مسايرة الوضع السائد ، ولم تعمل بالتقيّة تجاه المشركين في مسألة التوحيد . ففي جانب تقول : « إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ » . وفي جانب آخر : « كَفَرْنَا بِكُمْ . . . » . وفي ثالث : ( نتبرّأ مِن أصنامكم ) . ومن جهة : ( انّا نعتبركم أعداءً لنا ) . ومن أخرى : ( إنّا نُكِنُّ لكم العداء ) . وفي كلّ جملة من الآية تعبير جديد عن عدم المداهنة والمسالمة . والفرق بين ( العداوة ) و ( البغضاء ) - كما هو المستفاد من كلمات اللغويين - هو أنّ ( العداوة ) لها جانب عملي في الغالب ، أمّا ( البغضاء ) فلها جانب قلبي ، وإن استعمل كلّ منهما مكان الآخر . وبهذا أعلنوا أنّهم بُراءٌ من الشرك بكلّ وجودهم وصامدون أمامه مهما كانت الظروف ، وينبغي أن يكون ذلك أسوة حسنة لكلّ المؤمنين في العصور كلّها .