الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
نفحات القرآن
5 - هنا تتغير لهجة القرآن وتخبرنا عن تحول وخلق مهم وجديد للجنين ، فيقول بتعبير فيه أسرار وخفايا : « ثُمَّ أَنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ » . وعندما تنتهي هذه المراحل السبع يصف القرآن هذه الخلقة العجيبة أجمل وصف بعبارة : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقْينَ » ، وهي عبارة لم تأتِ في أي آية أخرى من القرآن ولم تستخدم في مجال أي موجود آخر . ذكر المفسرون تفاسير متنوعة في المراد من العبارة الغامضة : « الخلق الآخر » . ويبدو أن أنسبها وأقربها إلى القصد هو بلوغ الجنين مرحلة الحياة الإنسانية ، حيث يظهر فيه الحس ويبدأ بالحركة ، ويضع قدماً في عالم الحيوانات والبشر ، يعبر القرآن عن هذه الطفرة الكبيرة والعجيبة بكلمة « الإنشاء » في إشارة إلى الطريق الطويل الذي يقطعه الإنسان خلال هذه المدة القصيرة . نقرأ في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير عبارة : « ثُمَّ أَنْشَأناهُ خَلْقاً آخَرَ » قوله : « هو نفخ الروح فيه » « 1 » . صحيح أنّ الجنين كائن حي مند لحظاته الأولى ، ولكنه وحتى فترة معينة لا يمتلك أي إحساس وحركة في بطن الأم ، ويكون في الحقيقة أشبه بالنبات منه بالحيوان أو الإنسان ، ولكن بعد مضي عدّة أشهر تُبعثُ فيه الروح الإنسانية ، ومن هنا جاء في الروايات الإسلامية أنّ الجنين لا يستحق قبل بلوغه هذه المرحلة الدية الكاملة أبداً ، أمّا إذا بلغ هذه المرحلة كانت ديته نفس الدية الكاملة للإنسان « 2 » . التعبير ب « أَحسن الخالقين » بالرغم من أنّه لا خالق غير اللَّه إنّما هو لأجل أنّ مفردة « الخلق » ليست فقط بمعنى الإيجاد بعد العدم فحسب ، بل لها معان أخرى منها : « التقدير » و « الصناعة » و « إعطاء الأشكال الجديدة للأشياء الموجودة في العالم » ، ولا شك أنّ الإنسان يستطيع بما منحه اللَّه من قوى أن يوجد تغييرات كثيرة على مواد هذا العالم
--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 541 ، ح 56 و 57 . ( 2 ) المصدر السابق ، ج 2 ، ص 541 ، ح 56 و 57 .