الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

48

نفحات القرآن

مختلطة : « مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ » . وفي الآية الثالثة يعتبرها اولًا من « عصارة الطين » ، ثم من « نطفة في الرحم » : « مِنْ سُلالَةٍ مِّنْ طِيْنٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرارٍ مَكِيْنٍ » . واضح أنّ المراد من هذه الآيات هو خلقة الإنسان في المراحل والأجيال اللاحقة ، وبهذا فإنّ جدنا الأول مخلوق من التراب ، وأولاده وعقبه من نطفة أمشاج . وثمّة احتمال في تفسير الآية أعلاه هو : بما أنّ المواد المكوِّنة للنطفة مأخوذة جميعها من التراب ( لأنّ غذاءنا إمّا من المواد الحيوانية أو النباتية ونعلم أن جميع هذه المواد نحصل عليها من التراب ) ، لهذا فلم يكن الإنسان الأول من التراب فحسب ، بل إنّ جميع الناس في المراحل اللاحقة ينشأون من التراب أيضاً « 1 » . وعلى كل حال ، فهذه حقّاً من العجائب الكبيرة في عالم الوجود وغرائب عالم الخلقة أن يولد - من مادة ميتة وبلا روح ولا قيمة لها كالتراب - موجود حي وعاقل وذو قدر وقيمة كالانسان ، فهذه من الآيات البينات لذلك المُبدىء الكبير ، و « إنّ ذلك الخالق لجدير بالشكر والثناء لأنّه خلق من الماء والطين مثل هذا الشكل الجذاب » . وبشكل عام فإن ظهور الحياة من موجود ميت ما يزال من ألغاز عالَم الفكر والمعرفة ، فضمن أيّ شروط وظروف يخرج موجود حي من موجود ميت كالتراب ؟ يعتقد كل العلماء أنّ الكرة الأرضية حين انفصلت عن الشمس كانت كلها ناراً محترقة ، ولم تكن عليها حياة مطلقاً ، ثم بردت قليلًا قليلًا وهطلت عليها سيول الأمطار من الغازات المضغوطة الموجودة حولها ، فتكونت البحار ، بدون أن يكون فيها كائن حي ، ثم ظهرت بوادر الحياة سواء النباتية أو الحيوانية وأخيراً خُلقَ الانسان ! إنّنا سواء اعتقدنا بالخلق المستقل للإنسان ( كما هو ظاهر الآيات القرآنية ) ، أو اعتبرنا

--> ( 1 ) ورد في تفسير الميزان ، ج 16 ، ص 173 إشارة مقتضبة لهذا المعنى .