الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

30

نفحات القرآن

الأسرار ، وضرورة التوصل إلى هذه الأسباب دعت إلى ظهور الدين » « 1 » . ويضيف أحد الفلاسفة الماديين : أنّ الإنسان عندما ينظر إلى الأحداث من زاوية تاريخية فسيتصور العلم والدين عدوين لا يقبلان الصلح ! وذلك لسبب واضح جدّاً ، فالذي يعتقد بحركة العالم بلحاظ قانون العلية لا يستطيع أن يسمح ولو للحظة واحدة بأن يدخل عقله تصورٌ يقول : إنَّ بامكان موجود خلق الموانع والعثرات في واقع الأحداث « 2 » . وبعبارة أبسط إنّهم يريدون الادّعاء أنّ جهل الإنسان بالعلل الطبيعية كان السبب في تصوره لوجود قوة وراء الطبيعة أوجدت هذا العالم وما انفكت تديره ، ولهذا فكلما اتضحت الأسباب والعلل الطبيعية تزلزل الاعتقاد بالدين وبعبادة اللَّه . إنّ الخطأ الأساسي لاتباع « فرضية الجهل » ينبع من : أولًا : إنّهم ظنوا أنَّ الإيمان بوجود اللَّه يعني إنكار قانون العلية ، وإننا على مفترق طريقين : إمّا التسليم للعلل الطبيعية أو لوجود اللَّه ، في حين أنّ الإيمان بقانون العلية والكشف عن العلل الطبيعية من وجهة نظر الفلاسفة الإلهيين يعد أحد أفضل طرق معرفة اللَّه . إنّنا لا نبحث عن وجود اللَّه وسط الفوضى والحوادث الغامضة والمبهمة ، أبداً ، بل نبحث عن وجوده في وسط الأنوار والنظم المعروفة لعالم الوجود ، لأنّ وجود هذه النظم علامة واضحة على وجود مصدر علم وقدرة في عالم الوجود . ثانياً : لماذا تراهم يغفلون عن هذه النقطة ، وهي أنّ الإنسان ومنذ أقدم العصور ولحد الآن يرى دائماً نظاماً خاصاً يحكم العالم ؟ نظاماً لا يمكن تبرير ارتباط وجوده بالعلل التي لا شعور لها ، وكان يعتبره دوماً علامةً على وجود اللَّه ، وكل ما في الأمر أنّ هذا النظام كان

--> ( 1 ) جامعه‌شناسى ، ساموئيل كنيك ، ص 207 ( علم الاجتماع عند ساموئيل كنيك ) . ( 2 ) الدنيا التي أراها ، ص 58 - وكم هو مضحك قول « اوغست كونت » إنّ العلم عزل أبا الكائنات من وظيفته وساقه إلى مكان منزو ( أي باكتشاف العلل الطبيعية لم يبق ثمّة محل للأيمان باللَّه ) ( الدوافع نحو المادية ، ص 76 ) .