الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
نفحات القرآن
والتفريط ، وهم المقصودون بتعبير « الميزان » ، النوع الثالث هم أصحاب « النفس الأمارة » الذين تعنيهم الآية : « أنزلنا الحديد » أي هم المستحقون للعقاب والجزاء « 1 » . في الآية الرابعة إشارة إلى الأبعاد المختلفة لبعثة الأنبياء وبالخصوص السياسية والاجتماعية ونزول الأديان السماوية ، وفيها ذكر لبعض أوصاف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقد جاءت لترغيب الناس في اتباعه ، منها : « يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْروُفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ » . لا شك أنّ هذه أمور مصيرية وذات علاقة وثيقة بمسألة تكامل الإنسان وخيره وشرِّه ، بل مجرّد احتمالها يكفي لدفعه نحو التحقيق . « الأِصر » : على وزن مصر ، يعني في الأصل الربط والاغلاق وحبس الشيء بقوة وعنوة ، ثم أُطلقت على الحمل الثقيل والأعمال الشاقة التي تعوق الإنسان عن النشاط ، ولهذا سُميت الجبال والمسامير التي تربط بها الأعمدة « آصار » ، ولهذا أيضاً سمي العهد والوعد والذنب بالاصر « 2 » . يمكن الاستنباط من التعابير التي وردت في كلمات أرباب اللغة والمفسرين أن معنى كلمة « إِصر » الجسم الثقيل الذي يُربط بقدم السجين لكي لا يستطيع أن يتحرك ، وإنَّ ذكره إلى جانب الأغلال وهي الأطواق والسلاسل التي تقيد بها الأعناق يناسب هذا المعنى ، ثم أطلقت هذه المفردة على معنى آخر يتناسب وأصل الكلمة . مع إنّ الكثير من المفسرين فسروا « الإِصر » و « الأغلال » في هذه الآية بمعنى التكاليف الشاقة أو الامتحانات العسيرة والمعقدة التي حلّت بالأمم السابقة ، لكن الظاهر أنّ لهاتين المفردتين مفهوماً أوسع وأشمل يستوعب كل أنواع قيود الأسر والحمل الثقيل الذي يسببه
--> ( 1 ) التفسير الكبير ، ج 29 ، ص 241 . ( 2 ) تفسير مجمع البيان ، ج 4 ، ص 488 ؛ التفسير الكبير ، ج 15 ، ص 25 ؛ تفسير روح المعاني ، ج 9 ، ص 72 ومفردات الراغب ، مادة ( إصر ) وكتاب العين ، ج 7 ص 147 .