الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
8
نفحات القرآن
النحو يتمّ تأليف كتاب باسم كتاب « الطب » . بيد أنَّ القرآن ليس كذلك ، فهذا الكتاب نزل على مدى 23 سنة وفقاً للحاجات والظروف الاجتماعية المختلفة والوقائع المتباينة ، والمراحل التربوية المتفاوتة ، وكافة شؤون حياة المجتمع الإسلامي ، وفي نفس الوقت لم يتعلق بزمانٍ ومكانٍ معينين ! ففي وقت تدور كافة بحوث القرآن حول محور مقارعة الوثنية والشرك وبيان التوحيد بكل فروعه ، والسّور والآيات النّازلة في هذه المرحلة كلّها في المبدأ والمعاد : ( كالسور التي نزلت في مكّة خلال السنوات الثلاث عشرة الأولى من البعثة ) . وفي زمان آخر نرى محور البحث والحديث ساخناً وقوياً حول الجهاد وكيفية مواجهة الأعداء في الداخل والخارج والمنافقين . وعندما تقع غزوة الأحزاب فتنزل سورة الأحزاب ، وما لا يقل عن 17 آية منها تتحدث عن هذه المعركة والتجارب والقضايا التربوية فيها ووقائعها . وحينما جرت واقعة صلح الحديبية نزلت سورة الفتح وبعدها فتح مكّة وغزوة حنين نزلت سورة الإخلاص وآيات أخرى . والخلاصة ، فتزامناً مع انتشار الإسلام والتحرك العام للمجتمع الإسلامي كانت تنزل الآيات المناسبة وتصدر الأوامر اللازمة ، وهذا ما كان يكمّل المسيرة التكاملية للإنسان . واستناداً إلى ما ذكرنا آنفاً ، يتضح المغزى من التفسير الموضوعي وهو جمع الأحداث والوقائع المتعلقة بذلك الموضوع وترتيبها لتتجلى وجهة نظر القرآن الكريم بشأن ذلك الموضوع وأبعاده . فمثلًا ، تُجمع الآيات المتعلقة ببراهين معرفة اللَّه كالفطرة ، وبرهان النظم وبرهان الوجوب والإمكان وباقي البراهين ، وحيث إنّ القرآن يفسّر بعضُه بعضاً تتضح أبعاد هذا الموضوع « 1 » .
--> ( 1 ) . لقد رويت عبارة « القرآن يفسّر بعضه بعضاً » عن ابن عباس ، وليس من المستبعد أن يكون قد أخذها عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام نتيجة لعلاقته القوية معهما في مسائل القرآن ، كما ورد مضمونها في نهج البلاغة حيث يقول : « وَذَكرت أنّ الكتاب يصدّقُ بعضُه بعضاً » ( نهج البلاغة ، الخطبة 18 ) وقد أورد بعض العلماء في كتبهم جملة « القرآن يفسر بعضه بعضاً » على أنّها حديثٌ ، كما في صفحه 106 من كتاب ( تنزيه التنزيل ) للمرحوم الشهرستاني ، إذ وردت هذه العبارة باعتبارها رواية بدون أن ترد عليها مؤاخذة ، كما تُلاحظ في نهج البلاغة إشارة أخرى إلى هذا الأمر ، حينما يقول بشأن القرآن الكريم : « وينطقُ بعضه ببعض ويشهد بعضُه على بعض » ( نهج البلاغة ، الخطبة 133 ) .