الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
54
نفحات القرآن
« . . . وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقوُلُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ » . ( آل عمران / 7 ) إنَّ الآية الأخيرة تلقي الأضواء على العلاقة الوثيقة بين العلم والإيمان ، وتبيّن بأنّ المطلع والمتبحر هو الأرسخ في الإيمان والتسليم « 1 » . إنَّ هذه الآيات تبين بوضوح أن المعرفة هي إحدى السّبل المؤدية إلى الإيمان ، والإيمان الذي ينبع منها سيكون راسخاً قوياً ومتجذراً إلى مستوىً بحيث نقرأ في قصة موسى عليه السلام السحرة في عصر فرعون ، أنّ إيمانهم بموسى عليه السلام كان بسبب معرفتهم بأنّ ما جاء به موسى عليه السلام لم يكن سحراً ، فما كان من فرعون إلّاأنْ هدّدهم بشدّة قائلًا لهم : « آمنتُم لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ؟ ! » فالطغاة يريدون التحكم حتى بعقول الناس وإيمانهم القلبي وفهمهم ولا يتصرف أحدٌ بأي شيء إلّاباذنٍ منهم ، وقد جاء في تهديد فرعون لهم أنّه قال : « فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ . . . » . ( طه / 71 ) لكنهم كانوا بدرجة من الصمود بحيث كانوا يقولون له : « لَنْ نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ » . ( طه / 72 ) وفعلًا فقد نفّذ فرعون وعيده الذي قطعهُ على نفسه بالانتقام من السحرة المؤمنين ، واستشهدوا من أجل المعتقد الذي ذابوا فيهِ عشقاً ونالوا مبتغاهم الأسمى وهو الشهادة . يقول المفسر الكبير المرحوم الطبرسي إنّهم : « كانوا في أول النهار كفاراً سحرة وفي آخر النهار شُهَداء بَرَرَةٌ » . إنَّ ثمرات العلم له تنحصر بالإيمان فحسب بل تشمل الإستقامة والصمود أيضاً . « 2 » ، « 3 »
--> ( 1 ) ما ذكرناه حقيقة لا تنكر سواء قلنا بأن كلمة « الراسخون » معطوفة على « اللَّه » ، أو قلنا بأنها مبتدأ وخبرها الجملة اللاحقة ، لأنّه على كلا الفرضين ، الضمير في « يقولون » يرجع إلى « الراسخون في العلم » وبه تتّضح العلاقة بين الإيمان والعلم في الآية . . ( 2 ) يعتقد البعض أنّ « العلم » والإيمان » شيءٌ واحد . فإذا كنا نعلم بأنّ هناك خالقاً لهذا العالم وهو قادر وعالم ، فنفس هذا العلم إيمان به ، لكن المحققين يقولون بفصل الإيمان عن العلم ، لأنّ الإيمان يمكن أن يكون ثمرة من ثمار العلم ( وليس الثمرة الضرورية والدائمية ) لكنه ليس عين العلم والإيمان التسليم القلبي والقبول والاعتراف الرسمي ، بينما كثيراً ما يحصل أن يعتقد الإنسان بشيء ولم يسلم به ، كما يحكي القرآن عن البعض في سورة النمل الآية 14 « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً وعُلُوّاً » . . ( 3 ) يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « العِلمُ حياة الإسلام وعماد الإيمان » . ( كنز العمال ، ج 10 ، ص 181 ) .