الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

51

نفحات القرآن

فلو كانت المعرفة غير ممكنة فلماذا التفكير ؟ بالخصوص بعد حصر الموعظة بالتفكّر وذلك باستعمال « إنّما » التي تفيد الحصر ، وهنا يثبت أنّ مفتاح النجاة هو المعرفة فقط ! لكن هذا التفكر سواءاً كان - جماعياً أو فردياً - ينبغي أن يكون متزامناً مع القيام للَّه‌وفي سبيله ، ولهذا يقول « انْ تَقومُوا للَّه » أي بعيداً عن التعصب والعناد ، والهوى النفساني الذي سيأتي شرحه في موانع المعرفة إن شاء اللَّه . وقد أكّد النبي يوسف عليه السلام على هذا الموضوع ، وقال عند جلوسه على عرش السلطة في مصر : « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالْارْضِ أَنْتَ وَلِىِّ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ » . ( يوسف / 101 ) من الملفت للنظر هنا هو أن علم تعبير المنام من العلوم ذات الأهميّة القليلة ، وبالرغم من ذلك فإنّ قصة يوسف عليه السلام في القرآن تكشف بوضوح عن أن علمه بتعبير الرؤيا أدّى إلى إنقاذه من سجن عزيز مصر ، كما أدى إلى إنقاذ مصر من القحط والمجاعة ، لأنّ العزيز رأى مناماً عجيباً عجز المفسرون عن تأويله ، إلّاأنّ أحد السجناء الذين قد أُطلق سراحهم وسبق ليوسف انْ فَسَّرَ رؤياه في السجن كان حاضراً في البلاط آنذاك فقال : إنّي أعرف من يفسّر الرؤيا جيداً ، وعندما فسّر يوسف عليه السلام له ما رآهُ في منامه الذي يتعلق بالأمور الاقتصادية لسبع سنوات مقبلة ، أطلق سراحه وتهيَّأت مقدمات حكومته من جهة ، ومن جهة أخرى استطاع أن يضع برنامجاً دقيقاً لانقاذ أهل مصر من المجاعة خلال سنوات القحط المقبلة . إنّ الآية السابقة التي تحدثت عن علم تأويل الأحاديث ( في المنام ) بعد حديثها عن ملك يوسف ( حكومته ) ، يمكن أنّها تشير إلى العلاقة بين هذين الاثنين . وكيفما كان فإنّ هذه الآية توحي بأنّ مفتاح النجاة هو العلم والمعرفة . وحتى أنّ أبسط العلوم يمكن أن يكون سبباً لانقاذ دولة « 1 » . ج‌ج

--> ( 1 ) . يقول الإمام علي عليه السلام مخاطِباً كميل : « يا كميل ما من حركة إلّاوأنت محتاج فيها إلى معرفة » ( تحف العقول ، ص 19 ) .