الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
44
نفحات القرآن
والتفسير الآخر للآية هو : أنّ المسلمين يجب أن ينقسموا إلى قسمين : قسم يبقى في المدينة ليحافظ عليها ، وقسم يذهب إلى ميدان الجهاد ليُشاهدَ آثار العظمة الإلهيّة والمعجزات والامدادات الغيبية والنصر الإلهي ، ثم وبعد رجوعهم يُخبروا سائر الناس بذلك . وهناك احتمال ثالث في تفسير الآية وهو ضرورة نفير بعض سكان ضواحي المدينة إليها ليتفقهوا في أحكام الدين وتبليغها للآخرين عند الرجوع ، ومكث البعض الآخر في تلك المناطق لحفظ نظام الحياة هناك « 1 » . ولكلِّ تفسير ميزة لا توجد في التفسير الآخر « 2 » . ولكنْ بغضّ النظر عن الاختلاف في التفاسير ، فإنّ ما نسعى لإثباته - وهو وجوب التعلم والتعليم - ثابت بلا منازع ، وتأكيد القرآنِ على هذين الواجبين دليل واضح علىإمكان وضرورة المعرفة « 3 » . جج 4 - العلمُ والمعرفة هما الهدف من خلق العالم « اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَموَاتٍ وَمِنَ الْارْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْامْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا انَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَىْءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْماً » . ( الطلاق / 12 ) لقد شرحنا المراد من السماوات السبع والأرضين ما فيه الكفاية في التفسير « الأمثل » « 4 » .
--> ( 1 ) . تفسير الكبير ، ج 16 ، ص 225 ؛ تفسير الميزان ، ج 9 ، ص 427 ؛ تفسير مجمعالبيان ، ج 5 ، ص 83 . ( 2 ) . في التفسير الأول مرجع الضمير في جملة ( ليتفقهوا ) و ( لينذروا ) اسم محذوف والتقدير هو « وتبقى طائفة » ، وهذا فيه حذف ، والحذف يعتبر خلاف الظاهر . بينما ( نفر ) جاء بمعنى الجهاد هنا ، هذه نقطة قوة التفسير الأول . في التفسير الثاني مرجع الضمير مذكور وهو ( طائفة ) ، لكنّ الثاني ضعيف لأنّ ميدان الجهاد ليس محلًا للتعلم إلّابالتوجيه الذي ذكر ، وفي التفسير الثالث يقدر المحذوف ، لكنه يتفق مع الروايات التي تفسر النفير ( بالهجرة للتفقه في الدين ) . « ذكر في تفسير الثقلين 9 روايات في هذا المجال » . ( 3 ) . يقول الإمام الصادق عليه السلام : « لوددتُ أن أصحابي ضربتُ رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا » ( أصول الكافي ، ج 1 ، ص 31 ) . ( 4 ) . بالنسبة للسموات السبع يرجع إلى ، ذيل الآية 29 من سورة البقرة وبالنسبة للأرضين السبع إلى ذيل الآية 12 من سورة الطلاق .