الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

367

نفحات القرآن

وبتعبير آخر : فإنّ جملة « لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ » بمثابة بيان لسبب جملة « إِنَّ فِى ذلِكَ لَآيَةً » ، أي أنّ الالتفات إلى حقيقة العبودية والتوبة والإِنابة سبب للانتفاع بهذه الآيات « 1 » . وفي الحقيقة ، إذا ما درسنا حقيقة مفهوم العبودية ، رأينا لا يخلو من التوبة والإِنابة عند اقتراف الذنب . ج‌ج أما ثالث وآخر آية في البحث ، فقد أشارت مرّة أخرى إلى المصير الرهيب لقوم لوط ذلك المجتمع الذي بلغ من العار أَقصاه ، وسخر من جميع قيم الإيمان والإنسانية وغمر في وحل الفساد والفحشاء . . . إنّ الآية بعدما أشارت إلى تدمير مدنهم وتخريبها قالت : « وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ » يعتقد الكثير أنّ مدن قوم لوط كانت في الشامات قرب « البحر الميت » أو بين الشام والحجاز ، وكان يطلق عليها « المدائن المؤتفكة » ، ويقال : إنّه عندما زلزلت الأرض من مدنَهم هدمتها ، ثم نزلت عليهم أمطار من الأحجار ، وانشقت عندها الأرض شقاً نفذ فيه ماء « البحر الميت » ، وبدل هذه المدن إلى مستنقعات نتنة ، ولهذا يدعي البعض العثور على آثار من الأعمدة وغيرها من هذه المدن في أطراف البحر الميت . وعلى أيّ حال ، فإنّ هذه الآثار الباقية - سواء كانت في اليابسة أو تحت المستنقعات الآسنة - درس وعبرة ، ولا ينتفع بهذا الدرس إلّاالذين يخافون عذاب اللَّه ، ويشعرون بالمسؤولية ( وتواجدت فيهم أرضية المعرفة ) . وبتعبير بعض المفسرين : آية العبرة هذه هي لُاولئك الذين من شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم دون من عداهم من ذوي القلوب القاسية فإنهم لا يعتدون بها ولا يعدونها آية ودليلًا « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير روح المعاني ، ج 22 ، ص 104 . ( 2 ) تفسير روح المعاني ، ج 27 ، ص 13 .