الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
352
نفحات القرآن
جمع الآيات وتفسيرها تأثير الإيمان على الرؤية الصحيحة : تحدثت الآية الأولى عمّن كانوا موتى ثمّ أحياهم اللَّه وجعل لهم نوراً يهتدون به في الطريق . والمراد من الموت والحياة هنا هو الإيمان بعد الكفر ، كما جاء ذلك في الآية : « يَا أَيُّهُا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ اذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ » . ( الأنفال / 24 ) وعلى هذا فالحياة هي حياة الإيمان الحقيقي والصادق ، الحياة المقترنة بالنور والضياء والمعرفة . والجانب المقابل لجانب الأحياء ، هو جانب أولئك الذين ضلوا في ظلمات الكفر ولم يخرجوا منها أبداً « كَمَنْ مَّثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا » . يعتقد كثير من المفسرين أنّ هذا النور هو نور القرآن ، وقد فسّره بعضهم بنور الدين ، وبعضهم بنور الحكمة « 1 » ، وقد أضاف البعض على ذلك نور الطاعة « 2 » ، لكن المسلم أنّ لهذا النور مفهوماً واسعاً يشمل جميع أنواع المعرفة ، ومن البديهي أنّ مراد القرآن هو أكمل مصاديقه . إنّ التعبير ب « يمشي به في الناس » يتناسب كثيراً مع الحياة الاجتماعية في الدنيا ، كما يكشف عن أن « الإيمان » يَعِدُّ أرضية « المعرفة » في قلب الإنسان ويحول دون ارتكاب الأخطاء في الحياة الدنيا . جج وقد شبهت الآية الثانية غير المؤمنين ( أو أعمالهم ) بظلمات أعماق بحرٍ لُجّي تتلاطم الأمواج على سطحه ، وسمائه ملبدة بالغيوم بحيث إذا أخرج شخص يده لم يكد يراها أحد .
--> ( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 13 ، ص 172 ؛ تفسير القرطبي ، ج 4 ، ص 214 ؛ تفسير المنار ، ج 8 ، ص 30 . ( 2 ) . تفسير روح الجنان ، ج 5 ، ص 50 .